كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

سنة من حين شرع، ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة، ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحبا دون ذلك الاستحباب، والثاني: كان واجبا كقول أبي حنيفة.
وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه. وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: "أمر بصيامه" والأمر للوجوب، وبقوله: "فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه". ويحتج الشافعية بقوله: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه"، والشافعية أيضا يقولون: معنى قوله في حديث سلمة: "فأمره أن يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم إلخ". أي من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن كان لم ينو الصوم ولم
__________
أهل مذهبه "فيه على وجهين، أشهرهما عندهم؛ أنه لم يزل سنة من حين شرع ولم يكن واجبا قط في هذه الأمة ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان" في القرآن "صار مستحبا دون ذلك الاستحباب" أي: غير متأكد.
"والثاني كان واجبا كقول أبي حنيفة وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل، فأبو حنيفة لا يشترطها ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء ثم أمروا بصيامه بنية من النهار ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه" ورد بأن في أبي داود أنهم أتموا بقية اليوم وقضوه "وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحبا فصح بنية من النهار، ويتمسك أبو حنيفة بقوله: أمر بصيامه والأمر للوجوب" لكنه إنما يقتضيه إذا كان بصيغة أفعل، أما أمر فإنما يدل على الطلب، وهو يحتمل الوجوب والندب ويأتي رد هذا "وبقوله: فلما فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه" فمقتضاه أنه قبل ذلك كان فرضا.
"ويحتج الشافعية بقوله" -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: "هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه" فإن ظاهره أنه لم يفرض قط وأجيب بأن معاوية راويه من مسلمة الفتح، فإن كان سمعه بعد إسلامه فإنما سمعه سنة تسع أو عشر، وذلك بعد نسخه برمضان، فمعنى: لم يكتب لم يفرض بعد إيجاب رمضان، وإن كان سمعه قبل إسلامه جاز أنه قبل افتراضه ونسخه برمضان "والشافعية أيضا يقولون: معنى قوله في حديث سلمة" بن الأكوع "فأمره أن يؤذن في الناس: "من كان لم يصم فليصم إلى آخره". أي: من كان نوى الصوم فليتم صومه، ومن

الصفحة 270