كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
"يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". فبين -صلى الله عليه وسلم- وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: "إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان" يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولا عنه، وكثيرا من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه؛ لأنه شهر حرام وليس كذلك.
وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن تكون أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سر بين العبد وربه، ومنها: أنه أشق على النفوس؛ لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بني الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم.
وقد روي في صيامه -صلى الله عليه وسلم- شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال،
__________
يغفل" بضم الفاء "الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين" رفعا خاصا غير الرفع العام بكرة وعشيا "فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" لكونه من أفضل الأعمال، ووعد الله أنه الذي يجزي به "فبين -صلى الله عليه وسلم- وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: "إنه شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، يشير إلى أنه لما اكتنفه" أحاط به "شهران عظيمان: الشهر الحرام" رجب "وشهر الصيام اشتغل الناس بهما فصار مغفولا عنه" مع رفع الأعمال فيه إلى الله "وكثيرا من الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه" أي: شعبان "لأنه" أي: رجب "شهر حرام وليس كذلك".
فقد روى ابن وهب بسنده عن عائشة قالت: ذكر للنبي -صلى اله عليه وسلم- ناس يصومون شهر رجب، فقال: "فأين هم من شعبان" "وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها: أن تكون" أي: الطاعة "أخفى، وإخفاء النوافل وأسرارها" عطف تفسير "أفضل لا سيما الصيام، فإنه سر بين العبد وربه ومنها: أنه أشق على النفوس؛ لأن النفوس تتأسى بما تشاهد من أحوال بني الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى" اقتدى "بهم عموم الناس فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدى بهم" وأفضل العمل أشقه، ومنها: أن المنفرد بالطاعة بين الغافلين قد يرفع به البلاء عن الناس.
"وقد روي في صيامه -صلى الله عليه وسلم- شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه الآجال" أي: تنقل