كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
عرض خاص في هذين الوقتين غير العرض العام كل يوم، فإن ذلك عرض خاص دائم بكرة وعشيا. ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات فقال: "إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل" الحديث.
__________
"وهذا عرض خاص في هذين الوقتين غير العرض العام كل يوم، فإن ذلك عرض خاص" بكل يوم فتغايرا، وفي نسخة عرض عام وهي ظاهرة "دائم بكرة وعشيا" وفي جميع ذلك حكم: خفية وإلا فلا يخفى عليه شيء.
"ويدل على ذلك ما في صحيح مسلم" في الإيمان "عن أبي موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري، قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات" أي: جمل "فقال: إن الله تعالى لا ينام" أي لا يقع منه نوم "ولا ينبغي" لا يصح "له أن ينام" لأنه موت وهو الحي الدائم الباقي؛ ولأنه هواه ينزل من أعلى الدماغ يفقد معه الحس تعالى الله عن ذلك، فتعلق نفي الأول الوقوع، والثاني الصحة، فالعطف تأسيس إذ لا يلزم من نفي الوقوع نفي الصحة "يخفض القسط" بكسر القاف "ويرفعه" قيل: هو الميزان لحديث أبي هريرة عند الشيخين، وبيده الميزان يخفض ويرفع، وقيل: هو نصيب كل مخلوق من الرزق وخفضه ورفعه كنايتان عن التقليل والتكثير، وقيل: هو الشريعة يرفعها، أي يظهرها بوجود الأنبياء والعلماء ويخفضها بدرس الحق والرجوع عن اتباعه "يرفع" إلى المحل المضاف "إليه" تعظيما له الذي يقبض فيه أعمال العباد والعله سدرة المنتهى، أو إلى الملائكة الموكلين بقبض ذلك كما يقال: رفع المال إلى الملك، أي إلى زانته، أو إلى من أقامه لقبضه؛ لأنه تعالى لا يجوز تخصيصه بجهة ولا مكان "عمل الليل قبل" الأخذ في عمل "النهار" أي في آخر النهار "وعمل النهار قبل" الأخذ في عمل "الليل" أي في آخره قبل فراغه، فلا خلاف بين هذا وبين الرواية الثانية لمسلم يرفع إليه عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار.
هكذا قرره القرطبي فجعله من مجاز الحذف بدليل الرواية الثانية ويشهد له حديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر"، فإنه يقتضي أن عمل النهار يرفع بالنهار وعمل الليل بالليل، إذا جعل ما بعد الفجر من الليل، وجمع النووي بأن عمل الليل يرفع بأول النهار الذي يليه، وعمل النهار بأول الليل الذي يليه؛ لأن الملائكة إنما تصعد بعمل الليل قبل انقضائه في أول النهار وتصعد بعمل النهار بعد انقضائه في أول الليل. انتهى، وهو أيضا مجاز وكلاهما حسن "الحديث" تمامه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات