كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

الجاهلية، فقال: "أوف بنذرك". رواه البخاري ومسلم، والليل ليس محلا للصوم، فدل على أنه ليس بشرط لصحة الاعتكاف.
واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه. وفيه قول قديم للشافعي.
وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات.
وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد.
وقال الجمهور: بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحبه له
__________
في الجاهلية" فيه أن الاعتكاف من الشرائع القديمة "فقال" صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك"، رواه البخاري ومسلم والليل ليس محلا للصوم، فدل على أنه ليس بصحة الاعتكاف" وأجيب بأن في رواية لمسلم يوما بدل ليلة، وجمع ابن حبان وغيره بينهما؛ بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن قال: ليلة أراد بيومها، ومن قال: يوما أراد بليلته، وقد جاء أمره بالصوم عند أبي داود والنسائي، بلفظ: قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اعتكف وصم"، وهو وإن كان في سنده مقال، لكنه انجبر برواية يوما ودعوى أنها شاذة لا تسمع، فمن شرط الشذوذ تعذر الجمع وقد أمكن.
"واتفق العلماء على مشروطية المسجد" أي: كونه شرط صحة "للاعتكاف" لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، والمراد تجامعوهن إجماعًا، حكاه ابن المنذر، فلو صح في غيره لم يختص تحريم المباشر به؛ لأن الجماع مناف للاعتكاف بإجماع، فعلم من ذكر المساجد أن الاعتكاف لا يكون إلا فيها.
وقد روى ابن جرير وغيره عن قتادة في سبب نزولها: كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامها إن شاء ثم رجع إلى المسجد، فنهوا عن ذلك "إلا محمد بن عمر بن لبابه" بضم اللام وخفة الموحدتين "المالكي" من قدمائهم "فأجازه في كل مكان" وهو ضعيف "وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وهو قول قديم للشافعي" وله وجه في النظر؛ لأن المرأة عورة ومسجد بيتها ساتر لها فلا تحرم فضيلة الاعتكاف.
"وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات" الخمس لا المجهورة التي لا تقام فيها "وخصه أبو يوسف بالواجب منه" أي من الاعتكاف النذر "وأما النفل ففي كل مسجد، وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد" لإطلاق الآية، إذ

الصفحة 308