كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

"فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر منه"، قال: فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف
__________
الهمزة "فقيل لي:" وعند البخاري: أن جبريل أتاه في المرتين، فقال: إن الذي تطلب أمامك بفتح الهمزة والميم، أي: قدامك "إنها في العشر الأواخر" وصفها بالجمع؛ لأنه تصور في كل ليلة من ليالي العشر الأخير ليلة القدر ولا كذلك في الأول والأوسط، فلذا وصفهما بالمفرد "فمن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر".
وفي رواية للشيخين: فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وإنما أمرهم بذلك لئلا يضيع سعيهم في الاعتكاف والتحري.
وفي مسلم: "من أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فاعتكف الناس معه "فقد رأيت" بضم الهمزة وكسر الراء مبني للمفعول، أي: أعلمت "هذه الليلة" نصب مفعولا به لا ظرفا، أي: أريت ليلة القدر، وجوز الباجي، أن الرؤية بمعنى البصر، أي أنه رأى علامتها التي أعلمت له بها وهي السجود في الماء والطين "ثم أنسيتها" بضم الهمزة، قال القفال: ليس معناه أنه رأى الملائكة والأنوار عيانا، ثم نسي في أول ليلة رأى ذلك؛ لأن مثل هذا قل أن ينسى، وإنما معناه أنه قيل له ليلة القدر ليلة كذا وكذا، فنسي كيف قيل له ثم هو هكذا بالجزم عند الشيخين، وفي رواية للبخاري: أنسيتها أو نسيتها.
قال الحافظ: شك من الراوي هل أنساه غيره إياها أو نسيها هو بلا واسطة، ومنهم من ضبط نسيتها بضم أوله والتشديد فهو بمعنى أنسيتها، والمراد أنه أنسي علم تعيينها في تلك السنة.
"وقد رأيتني" بضم التاء وفيه عمل الفعل في ضميري الفاعل والمفعول وهو المتكلم، وذلك من خصائص أفعال القلوب، أي رأيت نفسي "أسجد في ماء وطين من صبيحتها" من بمعنى في قوله تعالى: من يوم الجمعة أو لابتداء الغاية الزمانية "فالتمسوها في العشر الأواخر" من رمضان "والتمسوها في كل وتر منه"، أي: أوتار لياليه وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التاسع والعشرين.
"قال" أبو سعيد: "فمطرت" بفتح الميم والطاء "السماء تلك الليلة" يقال: في اللية الماضية الليلة إلى الزوال، فيقال: البارحة، وفي راية للشيخين: وما نرى في السماء فزعة، فجاءت سحابة فمطرت حتى سال سقف المسجد "وكان المسجد على عريش" أي: مثل العريش وإلا فالعريش هو نفس السقف، أي: أنه كان مظللا بالجريد والخوص، ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر.

الصفحة 311