كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

سنين لم يحج ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله -صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه فأتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي"، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على
__________
حسنا "كما في رواية مسلم" وأبي داود: "مكث -صلى الله عليه وسلم" بالمدينة بعد الهجرة "تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة" بضم الهمزة وكسر الذال المشددة، أي: أعلموا بذلك ويجوز أن يكون بفتح الهمزة مبنيا للفاعل، أي: النبي -صلى الله عليه وسلم، باعتبار أنه الآمر بالتأذين؛ "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاج" يجوز فيه فتح الهمزة وكسرها "فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم:" يقتدي "برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويعمل مثل عمله".
قال عياض: هذا يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أحرم به وهم لا يخالفونه، ولذا قال جابر: وما عمل به من شيء عملنا به، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر إيهم، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على إحرامه -صلى الله عليه وسلم.
"فخرجنا معه فأتينا ذا الحليفة" ميقات أهل المدينة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، حكاهما في المشارق "فولدت أسماء بنت عميس" بمهملتين مصغر الصحابية الفاضلة "محمد بن أبي بكر" الصديق "فأرسلت" أسماء "إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ " الظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، ويدل له رواية الموطأ؛ أن أسماء ولدت محمد بن أبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم "قال: "اغتسلي واستثفري" بمثلثة بعد الفوقية، أي: احتجزي "بثوب" تشده على موضع الدم ليمنع السيلان، هكذا الرواية في مسلم وأبي داود المثلثة، ولبعض رواة أبي داود بالذال المعجمة بدل المثلثة، أي: استعملي طيبا لإزالة هذا الشيء عنك، أي: رائحة الدم مأخوذ من الدفر بالتحريك، وهو كل ريح ذكية من طيب أو نتن.
قال المنذري: والمشهور بالمثلثة "وأحرمي" وفيه صحة إحرام النفساء والحائض وهو مجمع عليه، وصحة اغتسالهما للإحرام وإن كان الدم جاريا.
قال الخطابي: وإنما أمرها بذلك وإن كان اغتسالها لا يصح للتشبه بالطاهرات، كما أمر من أكل يوم عاشوراء بإمساك بقية النهار، وقال غيره للتنبيه على أن الغسل من سنن الإحرام: "فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد" أي: مسجد ذي الحليفة ركعتين سنة الإحرام عند جميع العلماء إلا أن الحسن البصري استحب كون الإحرام بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، نقله عياض وغيره.

الصفحة 329