كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

وفي رواية جابر -عند أبي داود والترمذي- أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أراد الحج أذن في الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم.
وفي حديث ابن جبير -عند أبي داود- قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إهلال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أوجب!؟ فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج -صلى الله عليه وسلم- حاجا فلما صلى بمسجده في ذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم
__________
"وفي رواية جابر عند أبي داود والترمذي أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أراد الحج أذن" بالبناء للمفعول أو الفاعل "في الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم" وقد كان ابن عمر ينكر على ابن عباس قوله في البخاري: ركب راحلته حتى استوت به على البيداء أهل، قاله الحافظ.
قال: "و" قد أزال الإشكال ما "في حديث" سعيد "بن جبير عند أبي داود" من طريق ابن إسحاق: حدثني خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير "قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في" محل "إهلال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أوجب" أي: ألزم نفسه ما أحرم به، ومنه قول عمر؛ أنه أوجب بختيا، أي: أهداه في حج أو عمرة، كأنه ألزم نفسه به "فقال: إني لأعلم الناس بذلك أنها إنما كانت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة واحدة" أي: بعد الهجرة وإلا فقد حج قبلها مرات، ويحتمل أن يريد أن المتنازع فيه حجة واحدة، فهو تقرير لسؤال سعيد بن جبير وتقوية لإشكاله، قاله الشيخ ولي الدين العراقي: "فمن هناك اختلفوا" وبين وجه اختلافهم، وأنه ليس بخلاف حقيقي، بقوله: "خرج -صلى الله عليه وسلم- حاجا فلما صلى بمسجده في ذي الحليفة ركعتيه" سنة الإحرام "أوجبه" أي: الإحرام "في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتين فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته" أي: حملته.
قال ابن الأثير: يقال: استقل الشيء يستقله إذا رفعه وحمله.
قال الولي: فعليه الباء في به زائدة؛ لأنه متعد بنفسه "أهل" أي: رفع صوته بالتلبية "وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالا" بفتح الهمزة جمع رسل بفتحتين وأصله من الغنم والإبل عن عشرين إلى خمس وعشرين كما في النهاية، والمراد هنا أفواجا وفرقا منقطعة يتبع بعضهم بعضا "فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل" فظنوا أنه مبدأ إحرامه "فقالوا:

الصفحة 335