كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

وفي أخرى: أمر ببدنه فأشعر في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت عنها الدم وقلدها نعلين.
وكان حجه -صلى الله عليه وسلم- على رحل رث يساوي أربعة دراهم. رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه من حديث أنس، والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس.
__________
"وفي أخرى: أمر ببدنة" أي: بإحضارها "فأشعر" -صلى الله عليه وسلم "في سنامها من الشق الأيمن ثم سلت عنها الدم وقلدها نعلين" وفيه أن الإشعار سنة، وبه قال العلماء: إلا أبا حنيفة فقال مثله وخالفه صاحباه ووافقا الكافة.
وحكي عن إبراهيم النخعي مثل قول أبي حنيفة وقد بالغوا في الإنكار عليه وقالوا: كيف يقال مثلة في شيء فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد نهيه عن المثلة بزمان، فإنما المثلة قطع عضو من البهيمة للتعذيب أو للأكل، كما كانوا يجبون أسنمة الإبل وأليات الغنم والبهيمة حية فتعذب بذلك، وإنما الإشعار كالكي والوشم، فكما جاز ذلك ليعلم أنه ملك صاحبه جاز الإشعار ليعلم أنها هدي، فتتميز عن غيرها وتصان فلان يتعرض لها حتى تبلغ المحل، وفيه أنه في الصفحة اليمنى، وبه قال الشافعي والجمهور.
وقال ابن عمر ومالك: تشعر في الأيسر وجاء عن أحمد كالمذهبين.
قال الأبي، قيل: كان الإشعار والتقليد من عادة الجاهلية ليعلم أنه هدي خارج عن ملك المهدي فلا يتعرض له السراق وأصحاب الغارات، فلما جاء الإسلام رأى في ذلك معنى صحيحا فأقره.
"وكان حجه -صلى الله عليه وسلم" راكبا "على رحل" بفتح الراء وسكون المهملة للبعير، كالسرج للفرس "رث" بفتح الراء ومثلثة، أي: بال خلق "يساوي أربعة دراهم" فضة؛ لأنه في أعظم مواطن التواضع، إذ الحج حاله تجرد وإقلاع وخروج من المواطن سفرا إلى الله تعالى، ألا ترى إلى ما فيه من الإحرام، ومعناه إحرام النفس من الملابس تشبيها بالفارين إلى الله والتذكر بموقف القيامة، فكان التواضع في هذا المقام من أعظم المحاسن، هذا مع أنه عليه السلام أهدى مائة بدنة.
"رواه الترمذي في الشمائل وابن ماجه من حديث أنس" أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حج على رحل رث وقطيفة كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، فلما استوت به راحلته، قال: "لبيك بحجة لا سمعة فيها ولا رياء"، هذا لفظ الشمائل ورواه قبل ذلك عن أنس، حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رحل رث، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: "اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة".
ولفظ ابن ماجه عن أنس قال: حج النبي -صلى الله عليه وسلم- على رحل رث وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، وقال: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة"، فإنما الكلام في القطيفة التي على

الصفحة 357