كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

وقد اختلف في علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه -صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته، وفي حديث جابر عند مسلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه. فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين.
قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب.
وتعقب: بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته عليه السلام كانت منوقة، أي مدربة معلمة، فيؤمن معها ما يحذر من التلويث.
__________
"وقد اختلف في علة ذلك" أي: سببه، فإن الطواف راكبا لا يجوز بلا عذر، فمنعه مالك وكرهه الشافعي، وطواف المصطفى راكبا إنما كان لعذر اختلف فيه.
"فروى أبو داود من حديث" يزيد بن أبي زياد عن عكرمة، عن "ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- قدم مكة" في حجة الوداع "وهو يشتكي" أي: به مرض "فطاف على راحلته".
"وفي حديث جابر عند مسلم: أنه -صلى الله عليه وسلم- طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه" نقل بالمعنى وإلا فلفظ مسلم: ما قد رأيت آنفا، وله في راية تلو السابقة عن جابر: طاف -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس ويشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه بفتح الشين ازدحموا عليه.
"فيحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين" المرض ومشاهدة الناس له فيسألوه عن أمر دينهم ويأخذوا عنه مناسكهم فلا خلف بين الخبرين.
قال الولي العراقي: لكن لم يصح ذلك عن ابن عباس، فإن يزيد بن أبي زياد لا يحتج به.
قال البيهقي: وقد تفرد بزيادة قوله: وهو يشتكي فلم يوافق عليها.
"قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد" بقياس بقية ما يأكل على البعير "إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن أبوالها لا تنجسه" ولا أرواثها ولا يؤمن ذلك من البعير، فلو كانت نجسه لما عرض المسجد له "بخلاف غيرها م الدواب" التي لا تؤكل.
"وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة" إذ الفعل إنما دل الجواز للحاجة "بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول" وحيث لا يخشى يجوز "و" لا يراد أن ذلك لا يؤمن من الناقة؛ لأنه "قد قيل: إن ناقته عليه السلام كانت منوقة، أي: مدربة" مذللة "معلمة" مروضة "فيؤمن معها ما يحذر من التلويث" وهي

الصفحة 381