كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
ولما فرغ -صلى الله عليه وسلم- من طوافه أتى المقام، فقرأ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ثم رجع إلى الركن الذي فيه الحجر فاستلمه.
ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] ، أبدأ بما بدأ الله به"، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز
__________
كما رواه مسلم وأبو داود في الحديث الطويل عن جابر، بلفظ: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم "فقرأ واتخذوا" بكسر الخاء أيها الناس، وقرأ نافع وابن عامر: بفتح الخاء، خبر "من مقام إبراهيم" الحجر الذي قام عليه عن بناء البيت "مصلى" مكان صلاة بأن يصلوا خلفه ركعتي الطواف "فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت، فقرأ فيهما" بعد الفاتحة "بقل يا أيها الكافرون" في الأولى "وقل هو الله أحد" في الثانية "ثم رجع" بعد الصلاة "إلى الركن الذي فيه الحجر" الأسود "فاستلمه ثم خرج من الباب" المقابل للصفا أثر الركعتين "إلى الصفا، فلما دنا": قرب "من الصفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} جبلان مبكة {مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أعلام دينه: جمع شعيرة "أبدأ" بصيغة الخبر على الرواية المشهورة "بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا" اعتبارا بتقدم المبدوء به في التلاوة، الظاهر في أن حكمه مقدم على ما بعده، فلو بدأ الساعي بالمروة لم يعتد به عند الجمهور ومالك والشافعي، وأصرح منه رواية النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر للجمع، واحتج به من قال: إن الواو لا ترتب، إذ لو رتبت لم يحتج إلى هذا التوجيه، ومن قال: ترتب لامتثاله -صلى الله عليه وسلم- ذلك "فرقي" بكسر القاف ويجوز فتحها وهي لغة، أي: صعد "عليه حتى رأى البيت واستقبل القبلة فوحد الله وكبره" أي: قال: الله أكبر، وقوله: "وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد" زاد في رواية أبي يحيى: "يحيي ويميت" "وهو على كل شيء قدير".
قال الطيبي: يحتمل أنه قول آخر غير التوحيد والتكبير وأن يكون كالتفسير له والبيان والتكبير وإن لم يكن ملفوظا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول، أي: لأن معنى التكبير التعظيم، قال: ووحده حال مؤكدة من الله، كقوله تعالى: {هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} [فاطر: 31] ، وقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] ، في أحد الوجهين، ويجوز أن تكون مفعولا مطلقا، ولا شريك له كذلك حال أو مصدر. ا. هـ.