كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

أيام، فقدم -صلى الله عليه وسلم- فقال لأصحابه: "أرملوا بالبيت"، وفيه: طاف -صلى الله عليه وسلم- بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، وتناله أيديهم الحديث.
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة"، فقالم سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله،
__________
"من العام المقبل فيقيموا" بمكة "ثلاثة أيام، فقدم -صلى الله عليه وسلم" والمشركون من قبل قعيقعان "فقال لأصحابه: "ارملوا" بضم الميم أمر من رمل بزنة اطلبوا، أي أسرعوا في المشي مع تقارب الخطا "بالبيت" ثلاثا وليس بسنة، كذا في الرواية من قول ابن عباس على مذهبه، وخالفه غيره؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- رمل في حجة الوداع وقال: "خذوا عني مناسككم".
"وفيه" أي: أبي داود في بقية هذا الحديث عقب قوله: وليس بسنة، قلت: يزعم قومك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طاف بين الصفا والمروة على بعير، وإن ذلك سنة، ال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا، قال: صدقوا قد "طاف" رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أي: سعى "بين الصفا والمروة على بعير؛ لأن الناس كانوا" لفظه في أبي داود وكذبوا ليس بسنة، كان الناس "لا يدفعون" بالبناء للمفعول "عنه -صلى الله عليه وسلم- ولا يصرفون عنه" بصاد وفاء كما رأيته في أبي داود بخط الولي من الصرف وهو ما في النسخ الصحيحة، فقراءته بضاد معجمة وموحدة تصحيف "فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه وتناله أيديهم ... الحديث".
كذا في نسخة: مع أنه لم يبق شيء منه، واعلم أن المصنف لو قال عقب قوله: أولا هذا لفظ رواية مسلم، ولفظ أبي داود: فذكره بلفظه لكان أفيد من هذا التقطيع وما كان يزيد به الكتاب "وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا وصل إلى المروة رقي" بكسر القاف وتفتح "عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما فعل على الصفا" كما أفاده قول جابر في حديثه الطويل: حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، وعقب ذلك بقوله: "حتى إذا كان آخر طوافه على المروة" كان تامة، وجوابه إذا: قوله "قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة" أي: لو عن لي هذا الرأي الذي رأيته آخرا وأمرتكم به في أول أمري لما سقت الهدي، أي: لما جعلت علي هديا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، فإن من ساقه لا يحل حتى ينحره، وإنما ينحره يوم النحر فلا يصح له فسخ الحج بعمرة ومن لا هدي معه يجوز له فسخه، وهذا صريح في أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن متمتعا.

الصفحة 387