كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] .
__________
والأحمس لغة: الشديد في دينه لما شددوا على أنفسهم، كانوا إذا أهلوا بالحج لا يأكلون لحما ولا يضربون بيتا من وبر ولا شعر، وإذا قدموا مكة وضعوا ثيابهم التي كانت عليهم.
وعند الحربي أيضا عن عبد العزيز بن عمران المدني، قال: سموا حمسا؛ لأنهم حمسا بالكعبة؛ لأن حجرها أبيض يضرب إلى سواد.
قال الحافظ: والأول أشهر وأكثر، وذكر الحربي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى: كانت قريش إذا خطب إليهم الغريب، اشترطوا عليه أن ولدها على دينهم، فدخل في الحمس ثقيف وخزاعة وغيرهم، فعلم منه أن المراد من أمهاته قرشية لا جميع القبائل "يقفون بالمزدلة ويقولون: نحن قطين الله:" بقاف وطاء جمع قاطن "أي: جيران بيته فلا نخرج من حرمه".
قال سفيان بن عيينة: وكان الشيطان قد استهواهم، فقال لهم: إنكم إن عظمتم غير حرمكم استخف الناس بحرمكم، فكانوا لا يخرجون منه، رواه الحميدي في مسنده "وكان الناس كلهم يبلغون عرفات" يقفون بها "وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] ، رواه بهذا السياق الإسماعيلي عن سفيان بن عيينة من قوله، وظاهره أن المرد الإفاضة من عرفة، وظاهر سياق الآية أنها الإفاضة من مزدلفة؛ لأنها ذكرت بثم بعد ذكر الأمر بالذكر عند المشعر الحرام، وأجاب بعض المفسرين بأن الأمر بالذكر عنده بعد الإفاضة من عرفات التي سيقت بلفظ الخبر تنبيها على المكان الذي تشرع الإفاضة منه، فالتقدير فإذا أفضتم اذكروا ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس لا من حيث كانت الحمس يفيضون، أو التقدير: فإذا أفضتم من عرفان إلى المشعر الحرام فذاكروا الله عنده ولتكن من المكان الذي يفيض فيه الناس، ذكره الحافظ وأصل الحديث في الصحيحين، واللفظ لمسلم عن عائشة: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي عرفات فيقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: 199] ، ولهما أيضًا عن عائشة: الحمس هم الذي أنزل الله فيهم: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} ... الحديث.
قال الحافظ: عرف برواية عائشة أن المخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد بالناس هنا إبراهيم الخليل، وعنه المراد به الإمام وعن غيره آدم وقرئ شاذا الناسي بكسر السين بوزن العاصي، أي: أن الإفاضة من عرفات كانت في شريعتهما، قال: والأول أصح.
نعم الوقوف بعرفة موروث عن إبراهيم كما روى الترمذي وغيره عن يزيد بن شيبان، قال:

الصفحة 395