كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارا لي في الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك.
وفي رواية: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا.
__________
كنا وقوفا بعرفة أتانا ابن مربع، فقال: إني رسول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليكم، يقول لكم: "كونوا على مشاعركم فإنكم من إرث إبراهيم" ... الحديث، ولا يلزم من ذلك أن المراد خاصة، بل ما هو أعم من ذلك وسببه ما حكته عائشة، وأما ثم في الآية فقيل بمعنى الواو، واختاره الطحاوي، وقيل: لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب، والمعنى: إذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام، ثم اجعلوا إفاضتكم التي تفيضونها من حيث أفاض الناس لا من حيث كنتم تفيضون.
قال الزمخشري: وموقع ثم هنا موقعها من قولك: أحسن إلى الناس، ثم لا تحسن إلى غير كريم فتأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات بين لهم مكان الإفاضة، فقال: ثم أفيضوا التفاوت ما بين الإفاضتين، وإن إحداهما صواب والآخر خطأ.
قال الخطابي: تضمنت الآية الأمر بالوقوف بعرفة؛ لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبلها، وكذا قال ابن بطال وزاد: وبين الشارع مبدأ الوقوف ومنتهاه ... ا. هـ.
"وعن جبير بن مطعم" القرشي النوفلي الصحابي العالم بالأنساب "قال: أضللت حمارًا لي" أي: أضعته، أو ذهب هو، وفي الصحيحين، عنه: بعيرا لي، فيحتمل التعدد "في الجاهلية" قبل إسلامه، فتطلبته "فوجدته بعرفة فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت" يوم الفتح "عرفت أن الله وفقه" صلى الله عليه وسلم "لذلك" أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ إسحاق بن راهويه في مسنده.
"وفي رواية" له أيضا ولابن خزيمة عن جبير: "كان رسول الله" لفظه: رأيت رسول الله "صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له" زاد محمد بن إسحاق في مغازيه: قبل أن ينزل عليه الوحي "ثم يصبح مع قومه" قريش "بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا" زاد ابن إسحاق توفيقا له من الله.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم، قال: أضللت بعيرا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- واقفا بعرفة، فقلت: هذا والله من الحمس، فما شأنه ههنا، وعلم من الروايتين اللتين ساقهما المصنف أن هذا كان قبل إسلام جبير، فلذا أنكر عليه مخالفته لقومه لا كما ظن

الصفحة 396