كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
ولما بلغ -صلى الله عليه وسلم- وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بـ"القصواء" فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء
__________
السهيلي أن رؤية جبير لذلك كانت في حجة الوداع فاستشكله، ثم عاد المصنف إلى حديث جابر، فقال: "ولما بلغ -صلى الله عليه وسلم- عرفة" أي: قربها لقوله: "وجد القبة" ولفظه عقب قوله: كما كانت تصنع قريش في الجاهلية، فأجاز، أي: جاوز رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أي: المزدلفة حتى أتى عرفة فوجد القبة "قد ضربت له بنمرة" وليست من عرفة "فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس" بغين معجمة مالت للزوال "أمر" صلى الله عليه وسلم "بالقصواء" بفتح القاف والمد تقدم الكلام فيها غير مرة "فرحلت" بضم الراء وكسر المهملة مخففة "له" أي: شد الرحل على ظهرها "فركب فأتى بطن الوادي" وهو عرنة بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدها نون "فخطب الناس" ففيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية وهو المشهور، فقول النووي: خالف فيها المالكية فيه نظر، إنما هو قول العراقيين منهم والمشهور خلافه، واتفق الشافعية أيضا على استحبابها خلافا لما توهمه عياض والقرطبي.
"وقال: "إن دماءكم وأموالكم" زاد في بعض طرق هذا الحديث: وأعراضكم "حرام عليكم" معناه: أن دماء بعضكم على بعض حرام وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه ومال كل واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع، والمعنى: فيه مفهوم ولا تبعد إرادة المعنى الثاني، أما الدم فواضح، وأما المال فمعنى تحريمه عليه تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي.
قال عياض: فيه أن تحريم الدماء والأموال على حد واحد ونهاية من التحريم، وفيه ضرب الأمثال وقياس ما لم يعلم على ما علم لقوله: "كحرمة يومكم هذا" يوم عرفة "في شهركم هذا" ذي الحجة "في بلدكم هذا" مكة لاتفاقهم على تحريم ذلك وتعظيمه ... ا. هـ.
وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي، فالشهر أقوى من اليوم وهو ظاهر في الشهر لاشتماله على اليوم فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد؛ فلأنه محرم في جميع الشهور لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختص به فهو أقوى منه.
قال التوربشتي: أراد أموال بعضكم على بعض، وإنما ذكره مختصرا اكتفاء بعلم المخاطبين حيث جعل أموالكم قرينة دمائكم، وإنما شبه تحريم ذلك باليوم والشهر والبلد؛ لأنهم يعتقدون أنها