كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا،
__________
محرمة أشد التحريم لا يستباح منها شيء، وفيه مع بيان حرمة الدماء والأموال تأكيد لحرمة تلك الأشياء التي شبه بتحريمها الدماء والأموال.
وقال الطيبي: هذا من تشبيه ما لم تجر به العادة بما جرت به؛ لأنهم عالمون بحرمة الثلاث، كما في قوله: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة كانوا يستبيحون دماءهم وأموالهم في الجاهلية في غير الأشهر الحرم ويحرمونها فيها، كأنه قيل: إن دماءكم وأموالكم محرمة عليكم أبدا كحرمة الثلاث، ثم أتبعه بما يؤكده، فقال: "ألا" بالفتح والتخفيف "إن كل شيء من أمر الجاهلية" الذي أحدثوه والشرائع التي شرعوها في الحج وغيره، قاله في المفهم: "تحت قدمي" بشد الياء مثنى "موضوع" أي: مردود وباطل حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين "ودماء" بكسر الدال وبالهمز والمد "الجاهلية موضوعة".
قال الولي: يمكن أنه عطف خاص على عام لاندراج دمائها في أمورها، ويمكن أنه لا يندرج لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت "فإن أول دم أضع من دمائنا" أهل الإسلام، أي: أبدأ في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بأهل بيتي "دم ابن ربيعة بن الحارث" بن عبد المطلب واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل: حارثة، وقيل: تمام، وقيل: آدم.
قال الدارقطني: وهو تصحيف، ولبعض رواة مسلم وأبي داود دم ربيعة، وهو وهم؛ لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأوله أبو عبيد بأنه نسبه إليه؛ لأنه ولي دم ابنه وهو حسن ظاهر به تتفق الروايتان.
"كان" هذا الابن طفلا "مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل" بهاء مضمومة معجمة مفتوحة، قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرا يحبو بين البيوت فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد، وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه وهو مناف لقوله: فقتلته هذيل؛ لأنهم غير بني ليث، إذ هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في أنسابه. انتهى.
"وربا الجاهلية موضوع" أي: الزائد على رأس المال، كما قال تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} [البقرة: 279] وهذا إيضاح، إذ المقصود مفهوم من لفظ ربا، فإذا وضع الربا

الصفحة 398