كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم
__________
قال عياض: قيل: هي التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ لا يحل لغير مسلم أن يتزوج مسلمة، وقيل: كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج. انتهى، أي: الصيغ التي تنعقد بها من إيجاب وقبول، ورجح هذا في المفهوم، قال: فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاتقضاء أو التخيير.
وكذا النووي: فقال: المراد بإباحة الله والكلمة: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] ، وهذا هو الصحيح. انتهى، ولما ذكر استحلال الزوج بكلمة الله وعلم منه تأكيد الصحبة بين الزوجين انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج؛ لأنهم المخاطبون، فقال: "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه" أي: تكرهون دخوله في بيوتكم سواء كرهتم ذاته أم لا، وعبر بفرش؛ لأن الداخل يطأ فراش المنزل الذي يدخل فيه، أي: أنه ليس للزوجة أن تمكن أحدا ولو امرأة أو محرما من دخول بين زوجها إلا إذا علمت عدم كراهية زوجها لذلك.
هكذا حمله القرطبي والنووي على العموم "فإن فعلن ذلك" دون رضاكم بلفظ صريح أو بقرائن، فلو شككن أنهم يكرهونه لم تمكن؛ لأن الأصل المنع "فاضربوهن ضربا غير" بالنصب "مبرح" بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة وحاء مهملة، أي: غير شديد شاق من البرح وهو المشقة.
وقال الخطابي: معنى الحديث أن لا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب ولا يعدونه عيبا ولا يعدونه ريبة، فلما نزلت آية الحجاب وصار النساء مقصورات نهى عن محادثتهن والقعود إليهن، وليس المراد بوطء الفرش هنا نفس الزنا؛ لأنه محرم على الوجوه كلها، فلا معنى لاشتراط الكراهية فيه، ولو أريد الزنا لكان الضرب الواجب فيه هو المبرح الشديد والعقوبة المؤلمة من الرجم دون الضرب الذي ليس بمبرح، وذكر المازري وعياض نحوه، وقال الطيبي: ظاهر قوله: أن لا يوطئن فرشكم أحدا مشعر بالكناية عن الجماع فعبر به عن عدم الإذن مطلقا. انتهى.
"ولهن عليكم" وجوبًا "رزقهن وكسوتهن" بكسر الكاف وضمها لغتان مشهورتان "بالمعروف" على قدر كفايتهن دون سرف ولا تقتير "وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده" يحتمل أن إن زائدة وأنها شرطية حذف شرطها، أي: إن تمسكتم به لا تضلوا، لكن هذا تصحيف من المصنف أو نساخه، فالرواية في مسلم وأبي داود، ولفظها: "ما لن تضلوا بعده" "إن اعتصمتم به" أي: بعد التمسك به والعمل بما فيه، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح وذلك لبيان أن هذا