كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته -وهو محرم- فمات، فأمر رسول الله -صلى الله وعليه وسلم- أن يكفن في ثوبيه ولا ميس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطي رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي. رواه البخاري ومسلم. أي يبعث على هيئته التي مات عليها.
واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافًا للمالكية والحنفية، قال النووي:
__________
والإظهار على الأديان كلها، أو بالنص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد "الآية كما في الصحيحين" البخاري في أربعة مواضع، ومسلم في موضعين.
"عن عمر بن الخطاب:" أن رجلا من اليهود قال له: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أية آية؟، قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: 3] ، فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه، أنزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
وعند الطبراني وغيره عن كعب الأحبار أنه قال لعمر فذكر الحديث، وفيه فقال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
"وهناك سقط رجل من المسلمين" لم يعرف اسمه "عن راحلته" أي: ناقته التي صلحت للرحل "وهو محرم" بالحج، وفي رواية للشيخين: فوقصته ناقته وهو محرم "فمات" وهو بالقاف والصاد المهملة، أي: كسرت رقبته "فأمر -صلى الله عليه وسلم- أن يكفن في ثوبيه" زاد في رواية النسائي: الذين أحرم فيهما، ومعلوم أنهما لا يحيطان بالبدن، فلعلهما كانا إزارا ورداء "ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر" ولفظ الصحيحين: فقال -صلى الله عليه وسلم: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب" " ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبي" أي قائلا: لبيك اللهم لبيك "رواه البخاري ومسلم" مستوعبا طرقه، واختلاف ألفاظها كلاهما من حديث ابن عباس "أي: يبعث على هيئته التي مات عليها" من الإحرام.
"واستدل بذلك على بقا إحرامه خلافا للمالكية والحنفية" أنه إذا مات فقد انقضى العمل، فيجوز تطييبه وتغطية رأسه ووجهه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنها واقعة عين لا عموم فيها؛ لأنه علل ذلك بأنه يبعث يلبي وهذا الأمر لا يتحقق وجوده في غيره فهو خاص بذلك الرجل، ولو أريد تعميمه في كل محرم لقال: فإن المحرم كما قال: إن الشهيد يبعث وجرحه يثعب دما، فالتخصيص ظاهر من التعليل، والعدول سلمنا عدم ظهوره، فوقائع الأحوال لا عموم فيها، وذلك كاف في إبطال الاستدلال.

الصفحة 409