كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)

"أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل"، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا.
وفي رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال هشام: والنص فوق العنق.
__________
الوقار والطمأنينة "ورديفه أسامة" بن زيد "فقال" -صلى الله عليه وسلم- حين سمع الزجر وضرب الإبل: "أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر" أي: ما يتقرب به "ليس بإيجاف" إتعاب "الخيل والإبل" بضربها والسير السريع "فما رأيتها رافعة" بالراء، وفي رواية: بالدال وهما في أبي داود "يديها بالتثنية "عادية" بمهملتين من العدو، أي: ماشية بسرعة "حتى أتى جمعا" أي: المزدلفة، ومن قرأ غادية بإعجام الغين وقال: هذا بناء على استعماله في مطلق الذهاب وإلا فأصله الذهاب بعد الصبح وقبل الشم فقد صحفه وتعسف توجيهه، فإنما هو في أبي داود بالمهملة، وبه ضبطه شارحه ومعناه صحيح بلا تكلف، وقد حمله ابن خزيمة على حال الزحام دون غيره.
"و" استدل لذلك بقوله "في رواية أسامة بن زيد" رضي الله عنهما "عند الشيخين" وأبي داود والنسائي وابن ماجه من طريق مالك وغيره عن هشام عن أبيه عروة، قال: سئل أسامة وأنا جالس: كيف كان -صلى الله عليه وسلم- يسير في حجة الوداع حين دفع؟، قال: "كان يسير العنق" بتفح المهملة والنون سير بين الإبطاء والإسراع.
قال في المشارق: هو سير سهل في سرعة، وقال القزاز: سير سريع، وقيل: المشي الذي يتحرك به عنق الدابة وانتصب العنق على المصدر المؤكد من معنى الفعل "فإذا وجد فجوة" بفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الواو، أي: مكانا واسعا، هكذا رواه ابن القاسم وابن وهب والقعنبي والتنيسي وطائفة عن مالك، ورواه يحيى الأندلسي وأبو مصعب ويحيى بن بكير وغيرهم عن مالك، فجوة بضم الفاء وفتحها وسكون الواو وجيم.
قال ابن عبد البر وغيره: هو بمعنى فجوة.
"نص" بفتح النون والصاد المهملة الثقيلة، أي: أسرع.
قال أبو عبيد: النص تحريك الدابة حتى يستخرج به أقصى ما عندها وأصله غاية الشيء، يقال: نصصت الشيء رفعته، قال الشاعر:
ونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه
أي: ارفعه إليهم وانسبه، ثم استعمل في ضرب سريع من السير.
"قال هشام" بن عروة: "والنص فوق العنق" أي: ارفع منه في السرعة.
قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى المزدلفة وهو مما

الصفحة 412