كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
فركب حتى أتى مزدلفة، وهي المسماة بـ"جمع" بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقربون إليه بالوقوف بها.
فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى أثر كل واحدة منهما.
وفي رواية: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا حتى أقام
__________
"فقال: "الصلاة" مبتدأ خبره "أمامك" بفتح الهمزة والنصب ظرف، أي: موضع هذه الصلاة قدامك، وهو المزدلفة فهو من ذكر الحال وإرادة المحل، أو التقدير وقت الصلاة قدامك، فحذف المضاف، إذ الصلاة نفسها لا توجد قبل إيجادها، وإذا وجدت لا تكون أمامه، أو معنى أمامك لا تفوتك وستدركها وفيه تذكير التابع ما تركه متبوعه ليفعله، أو يتعذر عنه أو يبين له وجه صوابه "فركب" القصواء "حتى أتى مزدلفة" موضع بين عرفة ومنى وكلها من الحرم "وهي المسماة بجمع بفتح الجيم وسكون الميم" وعين مهملة "وسميت جميعا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أي: دنا" قرب "منها".
"وعن قتادة: إنما سميت جمعا؛ لأنه يجمع فيها بين صلاتين" المغرب والعشاء "وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها" فسميت جمعا "ويزدلفون إلى الله تعالى، أي: يتقربون إليه بالوقوف بها" فسميت مزدلفة "فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بها المغرب والعشاء كل واحدة منهما بإقامة" كما في حديث أسامة في الصحيحين، زاد في نسخ: "ولا صلى أثر كل واحدة منهما"، وظاهره أنه لم يؤذن لهما لاقتصاره على الإقامة، وبه قال الشافعي في الجديد وأحمد في رواية.
وفي حديث جابر عند مسلم: بأذان واحد وإقامتين.
وبه قال الشافعي في القديم وابن الماجشون واختاره الطحاوي.
وعند البخاري والنسائي عن ابن مسعود: بأذانين وإقامتين.
وروى الطحاوي بإسناد صحيح؛ أن عمر كان يفعل ذلك، وبه أخذ مالك واختاره البخاري وقواه ابن عبد البر من جهة النظر؛ بأنه -صلى الله عليه وسلم- جعل الوقت لهما جميعا، وكل صلاة صليت في وقتها يسن الأذان لها، إذ ليست واحدة منهما فائتة تقضي.
"وفي رواية" لمسلم: فركب حتى جئنا المزدلفة "فأقام المغرب ثم أناخ الناس" رواحلهم "في منازلهم ولم يحلوا" بفتح الياء وضمها وكسر الحاء رحالهم من على رواحلهم