كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 11)
حصى الخذف. -وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده.
وفي رواية للنسائي قال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس، غداة النحر وهو عليه السلام على راحلته: "هات إلقط لي"، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين".
قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، ونص عليه الشافعي في
__________
كان يكنى "غداة" ظرف لقال، أي: قال له أول "يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط له حصيات مثل حصى الخذف وهو بالمعجمتين" الأولى وهي الخاء مفتوحة والثانية ساكنة وآخره فاء، وروي بحاء مهملة وهو الرمي بالحصى بالأصابع، كانت العرب ترمي بها في الصغر لعبا تجعلها بين السبابة والإبهام من اليد اليسرى ثم تقذف بسبابة اليمنى.
وقيل: تجعلها بين السبابتين وفي أن قدرها فولة أو نواة أو دون الأنملة طولا وعرضا خلاف "ولم يكسرها" من الجبل "كما يفعل من لا علم عنده" بالسنة "من لقطها".
"وفي رواية النسائي" عن عبد الله بن عباس: "قال عليه السلام لابن عباس" أي: الفضل: "غداة النحر وهو عليه السلام على راحلته" ناقته القصواء "هات" بكسر التاء، أي: أعطني هذا أصله، لكن المراد هنا "ألقط" بضم الهمزة والقاف من باب نصر وناولني ما تلقطه "فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعت في يده" صلى الله عليه وسلم "قال: "بأمثال هؤلاء" فارموا "وإياكم والغلو" بمعجمة مضمومة "في الدين" أي: بالتشديد فيه، ومجاوزة الحد والعبث عن غوامض الأشياء والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها "فإنما هلك من كان قبلكم" من الأمم "بالغلو في الدين" والسعيد من اتعظ بغيره، وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو مجاوزة الحد بأن يزاد في مدح الشيء، أو ذمه على ما يستحقه، ونحو ذلك، والنصارى أكثر غلوا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف وإياهم نهى الله بقوله: {لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} [النساء: 171] ، وسبب هذا النهي رمي الجمار وهو داخل فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار بناء على أنه بلغ من الصغار، ثم عله بما يقتضي أن مجانبة هديهم مطلقا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا، وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه الهلاك، قاله بعض العلماء.
"قال العلماء: وفي هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأي البغوي قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح" عملا بظاهر هذا الحديث.