كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 101 """"""
وغيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين الفرنجي ، وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عساكرهم ، لما فيه من الشجاعة والمكر . وكان عماد الدين يعمل أنه متى قصد حصرها اجتمع من الفرنج بها من يمنعها ويتعذر عليه ملكها لما هي عليه من الحصانة ، فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم . فاطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاده الغربية . فبلغ أتابك زنكي ذلك فنادى في العسكر بالرحيل إلى الرها وجمع الأمراء عنده وقدم الطعام وقال : لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن معي غداً في باب الرها . فلم يتقدم غير أمير واحد وصبي لا يعرف ، لما يعلمو من إقدام زنكي وشجاعته ، وأن أحداً لا يقدر على مساواته في الحرب . فقال الأمير لذلك الصبي : ما أنت في هذا المقام فقال أتابك زنكي : دعه فوالله إني أرى وجهه لا يتخلف عني .
وسار والعسكر معه فوصل إلى الرها ، فكان عماد الدين أول من حمل على الفرنج والصبي معه ، وحمل فارس من الفرنج على زنكي عرضاً فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله ، وسلم زنكي . ونازل البلد وقاتل عليه ثمانية وعشرين يوماً وملكه عنوة ، وملك القلعة ، ونهب الناس الأموال ، وقتلوا الرجال ، وسبوا الذرية والنساء .
فلما رأى عماد الدين البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة ، فنودي بالعسكر برد ما أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم ، ورد ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم ، فردوا ذلك وعاد البلد إلى حالته الأولى ، وجعل فيه عسكراً يحفزه وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة لحصانتها . وحكى ابن الأثير رحمه الله في تاريخه الكامل قال : حكى لي بعض العلماء بالأنساب والتواريخ ، قال : كان صاحب صقلية قد أرسل سرية إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا . وكان عند صاحب صقلية رجل مسلم كان يكرمه ويحترمه ، ويرجع إلى قوله ، ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان ، حتى كان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب . ففي بعض الأيام كان جالساً في منظرة يشرف على البحر ، وإذا بموكب لطيف قد أقبل وأخبر من فيه أن عسكره دخلوا بلاد الإسلام وظفروا وغنموا وقتلوا . وكان المسلم إلى جانبه ، وقد أعفى فقال له الملك : يا فلان ألا تسمع إلى ما يقولون قال : لا قال : إنهم يخبرون بكذا وكذا ، أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها . قال : كان قد غاب عنهم وشهد فتح الرها ، فقد فتحها المسلمون الآن فضحك من هناك من الفرنج فقال الملك : لا تضحكوا فما