كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 117 """"""
الإقطاعات حتى كفوا عن التعرض إلى الحاج . وبنى أسوار المدن والحصون التي هدمتها الزلزلة التي ذكرناها في أخبار الدولة العباسية . وكان رحمه الله مواظباً على الصلاة في الجماعة ، حريصاً على فعل الخير ، عفيف لبطن والفرج ، مقتصداً في الإنفاق والمطاعم والملابس ، لم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في سخطه وعاقب على شرب الخمر .
قال الشيخ عز الدين أبو الحسن علي بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الأثير رحمه الله : قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف منه قال : وكان رحمه الله لا يفعل فعلاً إلا بنية حسنة . كان بالجزيرة رجل من الصالحين العباد ، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله فيرجع إلى قوله ، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالأكرة فكتب إليه يقول : ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذب الخيل لغير فائدة فكتب إليه نور الدين بخطه يقول : والله ما يحملني على اللعب بالكرة اللهو والبطر ، إنما نحن في ثغر ، العدو قريب منا ، وبينما نحن جلوس إذ يقع الصوت فنركب في الطلب ولا يمكننا أيضاً ملازمة الجهاد ليلاً ونهاراً شتاء وصيفاً . إذ لابد من الراحة للجند ومتى تركنا الخيل على مرابطها بسرعة الانعطاف في الكر والفر في المعركة فنحن نركبها ونروضها بهذا اللعب ، فيذهب حمامها ، وتتعود سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب . فهذا والله الذي بعثني على اللعب بالكرة .
قال : وحكى عنه أنه حمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة ، فلم يحضرها عنده ، فوصفت له ، فلم يلتفت إليها ؛ فبينما هم معه في حديثها إذ جاءه رجل صوفي فأمر له بها . فقيل له إنها لا تصلح لهذا الرجل ، ولو أعطى غيرها كان أنفع له . فقال : أعطوها له ، فاني أرجو أن أعوض عنها في الآخرة فسلمت إليه قيل والذي أعطيها شيخ الصوفية عماد الدين بن حمويه ، فبعثها إلى همذان ، فبيعت بألف دينار .

الصفحة 117