كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 118 """"""
قالوا وكان عارفاً بالفقه على مذهب أبي حنيفة ، وسمع الحديث وأسمعه ، وكان يعظم الشريعة المطهرة ، ويقف عند أحكامها ، فمن ذلك أنه كان يلعب بالكرة عند دمشق ، فرأى إنساناً يحدث آخر ويومىء إليه بيده ، فأرسل يسأله عن حاله ، فقال : لي مع الملك العادل حكومة ، وهذا غلام القاضي ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمني على الملك الفلاني فلما قيل ذلك له ألقى الجوكات من يده وخرج من الميدان وتوجه إلى القاضي كمال الدين بن الشهرزوري وأرسل إليه يقول : إني قد جئت في محاكمة فاسلك معي ما تسلكه مع غيري . فلما حضرا ، ساوى خصمه وحاكمه ، فلم يثبت قبله حق ، وثبت الحق لنور الدين . فعند ذلك أشهد على نفسه أنه وهب الملك للذي حاكمه ، وقال : كنت أعلم أن لا حق له عندي ، وإنما حضرت معه لئلا يظن بي أن ظلمته ، فحيث ظهر أن الحق لي ، وهبته له . قال : وهو أول من بنى دار الكشف وسماها دار العدل وكان يجلس فيها في الأسبوع يومين ، وعنده القاضي والفقهاء لفصل الحكومات بين القوي والضعيف . وكان شجاعاً حسن الرأي والمكيدة في الحرب ، عارفاً بأمور الأجناد . وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركشين ، وباشر القتال بنفسه . وكان يقول : طالما تعرضت للشهادة فلم أدركها .
قال : ومن أحسن الآراء ما كان يفعله مع أجناده . كان إذا توفى أحدهم وخلف ولداً ، أقر الإقطاع عليه . فإن كان كبيراً استبد بتدبير نفسه ، وإن كان صغيراً رتب معه رجلاً عاقلاً يثق إليه يتولى أمره إلى أن يكبر . فكان الأجناد يقولون هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد ، فنحن نقاتل عليها ، وكان ذلك سبباً عظيماً للنصر في المشاهد والحروب . قال : وبنى أسوار مدن الشام وقلاعها ، فمنها حلب وحماه وحمص ودمشق وبارين وشيزر ومنيج ، وغيرها من القلاع والحصون ، وأخرج عليها الأموال الكثيرة التي لا تسمح النفوس بمثلها . وبنى المدارس بحلب وحماه ودمشق وغيرها . وبنى الجوامع في كثير من البلاد . فمنها جامعه بالموصل ، إليه النهاية في الحسن والإتقان وفوض عمارته والخرج عليه للشيخ عمر الملا ، وكان من الصالحين . فقيل له إنه لا يصلح لمثل هذا العمل ، فقال : إذا وليت بعض أصحابي من الأجناد والكتاب ، أعلم أنه يظلم في بعض الأوقات ، فلا يقي عمارة الجامع بظلم رجل مسلم ، وإذا