كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 122 """"""
ذكر وفاة الملك الصالح اسماعيل
كانت وفاته لخمس بقين من رجب سنة سبع وسبعين وخمسماية . وابتدأت علته في تاسع الشهر ، وكان مرضه القولنج ومات وله من العمر تسع عشرة سنة . وقيل في سبب وفاته إن علم الدين سليمان بن جندر سقاه في عنقود عنب وهو في الصيد ؛ وقيل بل سقاه ياقوت الأسدي في شراب ، فعظم موته على سائر الناس ، وحزنوا لفقده حزناً شديداً .
قال ابن الأثير : ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي ، فاستفتى الفقيه علاء الدين الكاشاني وأفتاه بجواز شربها ، فقال : إن كان الله قد قرب أجلى أيؤخره شرب الخمر فقال : لا والله فقال : والله لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرمه علي ومات رحمه الله ولم يشربها .
ولما أيس من نفسه أحضر الأمراء والأجناد في الثالث والعشرين من شهر رجب وأوصاهم بتسليم البلد لابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل ، واستحلفهم على ذلك . فقال بعض أصحابه إن عز الدين ملك الملوك وله ما يكفيه ، ولو أوصيت بها لابن عمك عماد الدين زنكي فإنه تربية والدك ، وزوج أختك ، وليس له غير سنجار . فقال : إن هذا لم يغب عني ، ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تمكن وتغلب علا عامة البلاد الشامية ، ومتى كانت حلب لعماد الدين عجز عن حفظها وعز الدين بحفظها ، وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلنا معه مقام فاستحسن الناس ذلك منه ، وعجبوا من جودة رأيه مع صغر سنه ، وأن مرضه لم يشغله عن حسن اختياره ثم مات رحمه الله . وكان عفيف اليد والفرج واللسان ، لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب ، حسن السيرة ، عادلاً في رعيته . وبوفاته انقرض عقب نور الدين المذكور .
ولنرجع إلى ذكر ملوك الموصل الذين ملكوا بعد وفاة سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي .

الصفحة 122