كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 124 """"""
مرض قال لي في بعض الأيام : يا أبال القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني قال : فقلت في نفسي قد اختلط عقله فلما كان الغد أكثر السؤال عنه ، وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط ، فقلت : قد جاء الطائر فاستبشر ثم قال : جاء الحق وأقبل على الشهادة ، وذكر الله تعالى إلى أن توفى . فلما توفى طار ذاك الطائر ، فعلمت أنه رأى شيئاً في معناه .
ودفن بالموصل عند فتح الكرامى رحمة الله عليهما نحو سنة ، ثم نقل إلى المدينة ، فدفن بالقرب من حرم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في رباط بناه لنفسه . وقال لأبي القاسم : بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد ن مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها في التربة التي عملها ، فإذا أنا مت فامض إليه وذكره . فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى ، فقال له شيركوه : كم تريد فقال أريد أجرة جمل يحمله ، وجمل يحملني وزادي فانتهره وقال : مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة وأعطاه مالا صالحاً ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين ، وجماعة يقرءون بين يدجي تابوته إذا حمل وإذا أنزل عن الجمل . فإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراءون ينادون للصلاة عليه ، فيصلى عليه في كل بلد يجتاز بها ، وأعطاه أيضاً مالا للصدقة فصلى عليه في كريت وبغداد والحلة فيد ومكة والمدينة ، وكان يجتمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى ، ولما أراد الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلا صوته :
سرى نعشه فوق الرقاب وطالما . . . سرى جوده فوق الركاب ونائله
يمر على الوادي فتنثنى رماله . . . عليه وبالنادي فتثنى أرامله
فلم ير باكياً أكثر من ذلك اليوم ، وطافوا به حول الكعبة ، وصلوا عليه بالحرم الشريف ، وبين قبره وقبر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) خمسة عشر ذراعاً . وأما سيرته رحمه الله فكان الوزير جمال الدين محمد بن علي أسخى الناس وأكثرهم بذلاً للمال ، رحيماً بالخلق متعطفاً عليهم عادلاً فيهم ، فمن أعماله الحسنة أنه

الصفحة 124