كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 126 """"""
فعل كما كان يفعل . ثم تفرق الناس فقمت فقال : اقعد فقعدت . فلما خلا المكان قال لي : قد آثرتك اليوم على نفسي ، فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله . خذ هذا الخبر واحمله أنت في كمك في هذا المنديل ، واترك الحماقة من رأسك ، وعد إلى بيتك ، فإذا رأيت في طريقك فقيراً يقع في نفسك أنه مستحق ، فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام قال : ففعلت ذلك ، وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ذلك ، وبقيت في غلماني ، فرأيت في موضع إنساناً أعمى وعنده أولاد له وزوجته ، وهم من الفقر على حال شديد ، فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه . وقلت للرج تجيىء غداً بكرة إلى دار فلان ، أعني داري - ولم أعرفه نفسي - فإنني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئاً . ثم ركبت إليه العصر ، فلما رآني قال : ما الذي فعلت في الذي قلت لك فأخذت أذكر له شيئاً يتعلق بدولتهم فقال : ليس عن هذا أسألك ، إنما أسألك عن الطعام الذي سلمته إليك فذكرت له الحال ففرح ، ثم قال : بقي أنك قلت للرجل يجىء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجري لهم كل شهر دنانير قال : فقلت له : قد قلت للرجل يجى إلي فازداد فرحاً وفعل للرجل ما قال . ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض . قال : وله من هذا كثير . فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه في بعض السنين التي تعذرت فيها الأقوات .
ولما وقفت على ترجمته لهجت بالترحم عليه ، وقرأت ختمة شريفة في شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبعماية وسألت الله تعالى أن يسطر ثوابها في صحيفة حسناته ، وقررت ذلك على نفسي في كل سنة في شهر رمضان وأرجوا أن لا أقطعها ما لم أنس ذلك ، رحمه الله تعالى .
ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين
وفي سنة ثلاث وستين وخمسماية فارق زين الدين علي بن بكتكين النايب عن قطب الدين خدمته ، وسار إلى أربل . وكان هو الحاكم في الدولة وأكثر البلاد بيده ، ومنها أربل وبها أهله وأولاده وخزانته ، وشهرزور وجميع القلاع التي معها ، وجميع بلاد الهكارية وبلد الحمدية ، وتكريت وسنجار ، وحران ، وقلعة الموصل هو بها . وكان قد أصابه طرش ثم عمى ، فما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بأربل ، سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين ، وبقي معه أربل خاصة . وكان شجاعاً