كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 157 """"""
والتقى التتار والخطا فانهزم الخطا منهم هزيمة عظيمة ، فعند ذلك مال خوارزم شاه على الخطا ، وجعل يقتل منهم ويأسر وينهب ، فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيرة مع ملكهم ، في موضع من نواحي بلاد الترك ، تحيط بها جبال يتعذر الوصول إليها إلا من جهة واحدة ، فتحصنوا بها ، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة . وصاروا في عسكره فأنفذ خوارزم شاه إلى كشليخان ملك التتار يمت عليه بأنه ساعده ، ولولا ذلك ما تمكن من الخطا . فاعترف له بذلك مدة ، ثم أرسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا . وقال : كما أن نحن اتفقنا على إبادتهم ينبغي أن نقتسم بلادهم ، فقال : ليس لك عندي إلا السيف ، ولستم بأقوى منه شوكة ، ولا أعز ملكاً ، فإن رضيت بالمسالمة وإلا سرت إليك وفعلت بك شراً مما فعلت بهم وتجهز كشليخان ونزل بالقرب من خوارزم شاه ، فعلم خوارزم شاه أنه لا طاقة له به ، فكان يراوغه . فإذا سار إلى موضع قصد خوارزم شاه أهله وأثقالهم ، فينهبها ، وإذا سارت طائفة منهم عن مكانهم سار فأوقع بهم . فأرسل إليه كشليخان يقول : ليس هذا فعل الملوك وإنما هو فعل اللصوص ، فإن كنت سلطاناً كما تقول فيجب أن نلتقي ، فإما تهزمني وتملك البلاد التي بيدي ، أو أفعل أنا بك ذلك . فكان خوارزم شاه يغالطه في الجواب ، ولا يصمم على حربه ، ولكنه أمر أهل الشاش وفرغانة وأسفيجاب وكاشان ، وما حول ذلك من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا أحسن عمارة ، بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ، ثم خربها جميعاً خوفاً من التتار أن يملكوها .
ثم اتفق خروج جنكزخان التمرجي ملك التتار على كشليخان ، فاشتغل بقتاله عن قتال خوارزم شاه ، فخلا وجهه ، وعاد من بلاد ما وراء النهر إلى خراسان .

الصفحة 157