كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 177 """"""
ذكر الحرب بين جلال الدين وجنكزخان وانهزام جلال الدين
قال : ولما عاد من سلم من المعركة إلى جنكزخان قام بنفسه وعساكره لقصد حرب جلال الدين . واتفق أن العساكر الخلجية فارقوا جلال الدين في ذلك الوقت صحبة سيف الدين بغراق وأعظم ملك ومظفر ملك . وسبب ذلك أنهم لما كسروا التتار زاحمهم الأتراك فيما أفاء الله عليهم من الغنائم ، فاتفق أن بعض الأتراك الأرمينية نازع أعظم ملك في فرس من خيل التتار . وطال بينهما التنازع فضربه التركي بمقرعة ، فاشمأزت لذلك نفوسهم ونفرت قلوبهم وفارقوا جلال الدين ، واجتهد على ردهم فأبوا ذلك . ولما بلغه أن جنكزخان قد قاربه بجيوشه علم أنه لا طاقة له بملاقاته بعد مفارقة هذه الجيوش له ، فرأى أن يتأخر إلى حافة ماء السند ثم يستأنف مكاتبة من فارقه ، فإن رجعوا إليه لقى جنكزخان بهم وبمن معه من الأتراك . فعاجله جنكزخان عن إمضاء ما دبره ؛ وكان جلال الدين قد أصابه قولنج شديد عند خروجه من غزنة ولم يرد مع ذلك الجلوس في المحفة ، وركب الفرس تجلدا ، فمن الله عليه بالعافية ، فورد عليه الخبر أن مقدمة جنكزخان نزلت بجردين فركب ليلا وكبس المقدمة فقتلهم ولم يفته إلا من نجا به فرسه . فلما بلغ جنكزخان هذا الخبر هاله ، وجاء جلال الدين إلى حافة ماء السند ، وضاق عليه الوقت عما كان يثق به من جمع المراكب واسترجاع الكتايب ، ووصل مركب واحد فأمر بتعبير والدته وحرمه ومن ضمته الدور وحجبته الستور ، فانكسر المركب قبل عبورهم . ووصل جنكزخان فلقبه جلال الدين واقتتلوا قتالا شديدا فحمل جلال الدين بنفسه على قلب جنكزخان فمزقه ، وانهزم جنكزخان وكادت الدائرة تكون عليهم ، لولا أن جنكزخان كان قد كمن كمينا فيه عشرة آلاف فارس فخرجوا على ميمنة جلال الدين - وفيها أمين ملك - فكسروها وطرحوها على القلب ، فتبدد نظامه ، وتزعزعت عن الثبات أقدامه ، وانجلت المعركة عن قتلى مصرعين في الدماء ، وغرقى غاطسين في الماء ، فكان الرجل يأتي إلى الماء يهوى بنفسه في تياره وهو يعلم أنه غريق لا محالة . وأسر ولد جلال الدين وهو ابن سبع أو ثماني سنين فقتل بين يدي جنكزخان .

الصفحة 177