كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 182 """"""
الأفواه ، فضلا عن الأقوات ، فكان الرجل يتنفس عند هبوب السموم كتنفس المحموم . قال : فتخلص إلى كرمان في أربعة آلاف ، فيهم ركاب أبقار وحمر . وكان بها براق الحاجب ينوب عن أخيه غياث الدين بير شاه . وبراق هذا كان حاجبا لكورخان ملك الخطايية ، ورد رسولا على السلطان مبدأ المكاشفة بينهما ، فمنعه أن يعود إلى مرسله رغبة فيه ، ثم اتصل بخدمة غياث الدين .
فلما وصل جلال الدين أقام بكراشير - وهي دار المملكة - شهرا ثم أحس أن براقا قد أضمر الغدر به ، فقصد جلال الدين القبض عليه واستشار في ذلك ، فأشار أورخان بالقبض عليه ، وأن يواليه مملكة كرمان ويستظهر بها على غيرها من الممالك . وخالفه في هذا الرأي شمس الملك علي بن أبي القاسم المعروف بخواجه جهان ، وقال : هذا أول من بذل الطاعة من نواب الأطراف ، وولاة البلاد ، وليس كل أحد يتحقق غدره ومكيدته ، فمتى عوجل نفرت القلوب واشمأزت النفوس وتبدلت الأهواء ، وتغيرت النيات والآراء .
فرحل جلال الدين إلى صوب شيراز ، وورد عليه الأتابك علاء الدولة صاحب يزد ، مذعنا بالطاعة ، وقدم له تقادم كثيرة فكتب له توقيعا بتقرير بلاده عليه . وكان الأتابك سعد صاحب فارس قد استوحش من أخيه غياث الدين لإساءة سبقت ، فرغب جلال الدين في إصلاحه لنفسه ، وسير الوزير شرف الملك إليه خاطبا ابنته ، فأسرع إلى الإجابة والانقياد وزوجه ابنته وحملها إليه فاستظهر جلال الدين بمصاهرته ثم تقدم من شيراز إلى أصفهان ، فخرج إليه القاضي ركن الدين مسعود بن صاعد بأحسن اللقاء ، قال : ولما بلغ غياث الدين توسط جلال الدين في بلاده ، ركب إليه في جموعه في زهاء ثلاثين ألف فارس ، فرجع جلال الدين حين سمع بقربه وقد أيس مما طمحت إليه نفسه ، وسير إلى غياث الدين أدك أمير أخور ؛ وكان من دهاة خواصه ، يقول : إن الذي قاسيته بعد السلطان من الشدايد الفادحة ، لو عرضت على الجبال لأشفقن منها واستثقلتها فأبين أن يقبلنها ، وحين ضاقت على الأرض بما رحبت ، وانتفضت يدي عما ورثت وكسبت ، وكنت قصدتك لأستريح عندك أياما وحيث علمت أن ليس عندك للضيف إلا ظبي السيف ، ورجعت بظمأ من الشوق عن المناهل . وسير إليه سلب تولى خان بن جنكزخان وفرسه وسيفه . فلما سمع غياث الدين الرسالة انصرف إلى الري ، وتفرقت عساكره في المصايف .