كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 187 """"""
وجوهكم إن حمل الكرج عليكم ، وحيث وهب الله لنا النصر والظفر ، فقد عفونا عنكم ما تحققناه ، على أن تقيموا ببلادها فتقلبوها بغاراتكم ظهراً لبطن إلى أن تعود إليكم . فضمنوا له ذلك ، وأقاموا ثلاثة أشهر يشنون عليها الغارات إلى أن أخلوها قتلا وسبيا ، ورخصت المماليك الكرجية ، حتى أن المملوك منها يباع بدينارين أو ثلاثة . قال : ورجع السلطان إلى تبريز ، وكان رجوعه في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وستماية ، وأحضر شرف الملك إلى بين يديه من الأوباش من شهد على الطغرائي وابن أخيه بما كان أنهاه عنهما . فأمر بالقبض عليهما . فأما الرئيس فقتل في الوقت وترك بالشارع طريحا ، وأما الطغراني فحبس وصودر على ما ينيف على ماية ألف دينار كان الذي وصل منها إلى الخزانة السلطانية دون الثلاثين ألفا ، ثم حمل من تبريز إلى مراغة محتاطا عليه . هذا وشرف الملك يعمل الحيلة على قتله حتى أخذ خاتم السلطان بذلك ، وأراد الله تعالى إبقاءه فضن النائب بمراغة بقتله ، فأعانه بالخيل وهربا جميعا وسارا إلى أربل ومنها إلى بغداد . وحج في سنة خمس وعشرين فلما ازدحم الناس حول الكعبة وقف تحت الميزاب وعلى رأسه مصحف ، والحاج من الأقاليم وقوفا ، والذي كان يتولى ركب السلطان فيهم ، وقال : أيها الناس ، قد أجمع المسلمون كافة أن ليس لله في أرضه مقام أشرف من هذا المقام ، ولا يوم أجل من هذا اليوم ، ولا كتاب أعظم من هذا الكتاب ، وأنا حالف بهذه الثلاثة أن الذي نسبني إليه شرف الملك ما كان إلا إفكا مفترى . وغلظ بما تغلظ به إيمان البيعة في البراءة ، وتفرق الناس إلى بلادهم وتحدث بذلك كل طائفة . وتواترت به الأخبار على السلطان ، فعلم عند ذلك براءته ، وندم على فعله ، وأمنه وأعاده إلى تبريز ، ورد عليه أملاكه هذا ما كان من أمره .
قال : وأقام السلطان بتبريز ، فصام بها شهر رمضان ، وأمر بمنبر فوضع بدار السلطنة ، ونص على ثلاثين من علماء الأطراف وفضلائها ، وقد حضروا لحاجاتهم ، فوعظ كل واحد منهم يوما والسلطان لجانب المنبر ، فشكر منهم من وعظ وقال حقا ، وذم من بالغ في الإطراء .