كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 194 """"""
ينقمها عليه ، ففعلت ذلك امتثالا لما أمر . فلما مضت أيام فإذا بحراقة في بعض العشيات وصلت إلى منزلي بحافة دجلة ، ودخل على سعد الدين الحاجب ، وقال : استعد لخدمة أمير المؤمنين . فركبت الحراقة وركبها سعد الدين معي ، فتكلم الملاح بكلمات غريبة لم أفهمها ؛ فقفز سعد الدين من الحراقة إلى أخرى بجنبها وتركني منفردا فيها ، فسألته عن ذلك ، فقال : ما كنت أعرف أن تلك من المراكب الخاصة ، وقد سيروها لك تشريفا ، فقمت وخدمته وشكرت ودعوت ، وسقنا إلى أن وصلنا إلى باب كبير ، فدخلت وتأخر سعد الدين ولم يتغير من هناك . فقلت : لم لا تدخل ؟ فقال : وما منا إلا له مقام معلوم ، ليس لي أن أتعدى هذا المقام . وكان خلف الباب خادم ، فأوصلني إلى باب آخر وطرق الباب ، ففتح فدخلت وإذا بخادم شيخ جالس على دكة وبين يديه مصحف وشمعة ، فأجلسني ورحب بي إلى أن جاء خادم آخر أبيض حسن الصورة فصافحني ولاطفني بالعجمي وأخذ بيدي وأوصاني بتعظيم المواقف الشريفة ، وحسن الأدب وتقبيل الأرض حيث يشير إلي . فذكر ما اتفق له إلى أن انتهى إلي الستر والوزير قائم فأمر بالوقوف بالقرب من الوزير ، ثم قال له أمير المؤمنين : كيف الجناب العالي الشاهنشاهي - وهكذا كان يخاطب في الكتب - ثم وعده بمواعيد جميلة في حق السلطان ، وأنه يقدمه على سائر ملوك زمانه ، وخلع عليه وأعيد ؛ وأصحب بالأمير فلك الدين ابن سنقر الطويل وسعد الدين بن الحاجب ، ومعهما خلعة للسلطنة ؛ فوصلوا إلى خلاط في فصل الشتاء ، والسلطان يحاصرها .
قال : وكان الذي استصحبوه من الأنعام والخلع خلعتين للسلطان إحداهما حبة وعمامة وسيف هندي مرصع النجاد والثانية قباء وكمة فرجية وسيف قلاجوري محلى بالذهب معرقه الحياصة بالدنانير ، وقلادة مرصعة يمنية ، وفرسان بالساحات والسرفسارات والطوق أثقل ما يكون وأبهى ، وثمان تطبيقات طبقت حوافرها عند التسليم وزن كل تطبيقة منها مائة دينار ، وترس ذهب مرصع بنفائس الجواهر ، وثلاثون فرسا من الخيل العربية مجللة بالأطلس الرومي مبطنة الجلال بالأطلس البغدادي وعلى رأس كل جنيب مقود من الحرير وقد ضرب عليه ستون دينارا خليفتية ؛ وثلاثون أو عشرون مملوكا بالعدة والمركوب ، وعشرة فهود بجلال الأطلس وقلائد الذهب ، وعشرة صقور مكللة الكمام بصغار الحب ، ومائة وخمسون بقجة في كل واحدة عشرة ثياب وخمسة أكر من العنبر الأشهب مضلعة بالذهب ، وشجرة عود طولها خمسة أذرع

الصفحة 194