كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 203 """"""
وأربعة آلاف فارس ولا يفارق خدمته . وكان سبب ذلك أن صاحب الروم قد أوغر صدر الملك المسعود صاحب آمد ، واستولى على عدة من قلاعه . فمال السلطان إلى كلامه ، وعدل عما كان قد عزم عليه من المسير إلى أصفهان ، وعطف صوب بلد آمد ، ونزل الجسر بقربها . قال : وشرب تلك الليلة حتى سكر ، فأتاه وهنا من الليل شخص تركماني وقال : إنني في منزلتك التي كنت بها أمس عسكرا قد نزلها غير ذي عسكرك بخيل أكثرها شهب فكذبوه ، وقالوا : هذه حيلة . فلما كان قبيل الفجر ، أحاط التتار به وبمن معه ، فكانوا كما قيل :
فمساهم وبسطهم حرير . . . وصبحهم وبسطهم تراب
ومن في كفه منهم قناة . . . كمن في كفه منهم خضاب قال : وأحاط التتار بخركاة السلطان وهو نائم في سكره ، وإذا بأورخان قد وصل بأصحابه ، وحمل على التتار حتى كشفهم عن الخركاة ، ودخل بعض الخواص فأخذ بيد السلطان وأخرجه من الخركاة وعليه طاقية بيضاء . فركب فرسه ولم يذكر في ذلك الوقت إلا الملكة ابنة الأتابك سعد ، فجهز في خدمتها من يسوق بها إلى حيث ترميهم الجفلة ، وساق وأطلاب التتار تتبعه مجدة في السير خلفه فلما رأى ذلك ، أمر أورخان أن يفارقه بمن معه من العسكر ليتبع التتار سواده ، ويخلص هو بمفرده ، ففعل ذلك .
قال المنشى : ولقد أخطأ ، فإن أورخان لما فارقه انضوى إليه خلق كثير ، ووصل إلى أربل ومعه أربعة آلاف فارس ، وساق إلى أصفهان وملكها زمنا إلى أن قصدها التتار . وأما السلطان فساق بعد فراقه لأورخان إلى أن وصل إلى باشورة آمد ، فرموه بالحجارة ومنعوه الدخول ، فتياسر عنها ، وانضم إليه تقدمير مائة فارس ، فرمته الجفلة بهم إلى حدود جزيرة ، وبها الدربندات المنيعة ، فمنعوه من العبور ، فأشار عليه أوترخان بالعود ، وقال : إن أسلم الطرق اليوم طريق سلكه التتار ، فرجع ووصل إلى قرية من قرى ميافارقين ونزل ببيدرها وسيب الخيل لتستوفي شبعها ، ثم ركب أوترخان وفارقه في ذلك الوقت جبنا منه وخورا ، ووثوقا بما كان بينه وبين الملك المظفر شهاب الدين غازي من المكاتبات ، وأقام السلطان بالبيدر طول ليلته ، فلما أصبح طلع عليه طائفة من التتار فركب وعوجل أكثر من معه عن الركوب فقتل بعضهم وأسر بعضهم . والله أعلم .

الصفحة 203