كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 221 """"""
شئتم ، وتتركوننا وإياهم . فاستقر الأمر بينهم على ما حملوه لهم من مال وثياب وغير ذلك ففارقهم قفجاق فأوقع التتار عند ذلك باللان ، فقتلوا منهم وسبوا . وساروا إلى قفجاق وهم آمنون متفرقون ، لما استقر بينهم من الصلح فطرقوا بلادهم وأوقعوا بهم الأول فالأول ، وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم . وسمع من كان بعيد الدار من قفجاق الخبر ، ففروا من غير قتال ، واعتصم بعضهم بالغياض وبعضهم بالجبال ولحق بعضهم ببلاد الروس . وأقام التتار ببلاد قفجاق ، وهي أرض كثيرة المرعى صيفا وشتاء وفيها أماكن باردة في الصيف وأماكن حارة في الشتاء ، وغياض ، وهي على ساحل البحر ، ووصلوا إلى مدينة سوداق - وهي مدينة قفجاق - فملكوها ، وفارقها أهلها ، فبعضهم صعد إلى الجبال بأهله وماله ، وبعضهم ركب في البحر وساروا إلى بلاد الروم التي بيد الملوك السلجقية . . .
ذكر ما فعلوه بقفجاق والروس
قال : لما استولى التتار على قفجاق وتفرقوا ، والتحقت طائفة كثيرة منهم ببلاد الروس - وهي بلاد كبيرة طويلة عريضة تجاور القفجاق وأهلها يدينون بدين النصرانية - فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم ، واتفقوا على قتال التتار إن قصدوهم . فسار التتار إلى بلاد الروس في سنة عشرين وستمائة ، فسار قفجاق والروس إلى طريق التتار ليلقوهم قبل وصولهم إلى بلادهم ويمنعوهم عنها ، فبلغ التتار مسيرهم ، فرجعوا على أعقابهم . فطمعت القفجاق والروس فيهم ، وظنوا أنهم عادوا خوفا منهم ، وعجزوا عن قتالهم ، فأتبعوهم وساقوا في إثرهم اثني عشر يوما ، فعطف التتار عليهم وهم على غرة ، لأنهم كانوا قد آمنوا ووثقوا بالقدرة عليهم : فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغ التتار منهم مبلغا عظيما .
فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله . ودام القتال عدة أيام ، فاستظهر التتار عليهم ، فانهزمت قفجاق والروس هزيمة فاضحة وكثر القتل في المنهزمين ، فلم يسلم منهم إلا القليل . ووصل من سلم منهم على أقبح حال ، والتتار تتبعهم يقتلون وينهبون ويخربون فاجتمع كثير من أغنياء تجار الروس وأعيانهم ، وحملوا ما يعز عليهم ، وتوجهوا في البحر في عدة مراكب إلى بلاد الإسلام ، فلما قاربوا المرسى الذي يقصدونه انكسر منهم مركب فغرق ونجا من فيه وكانت العادة جارية أن