كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)

"""""" صفحة رقم 37 """"""
ذكر عود السلطان محمد من أصفهان إلى مقر ملكه
قال : لما فارق همذان وصل إلى أصفهان كاتب أمراء الأطراف فأتى إليه الأمير إينانج صاحب الري فقويت به يده ، واتفق رجوع أيلدكز فسار السلطان محمد إلى همذان ، فدخلها في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ، واستقامت له المملكة .
وفي سنة تسع وأربعين عزم الخليفة المقتضي على قطع دعوة الترك من بغداد ، وفعل ماقدمنا ذكره في أخبار المقتفى من إخراج الشحنة مسعود البلالي الخادم منها ؛ وتقوية الخليفة لوزيره عون الدين بن هبيرة ، وما أقطعه من الإقطاعات ، وما حازه الخليفة من ملك العراق من أقصى الكوفة إلى حلوان ومن تكريت إلى عبادان .
قال : ولما عاد السلطان بعد هرب سليمان شاه ، راسل الخليفة في الخطبة فامتنع ، واجتمع عند السلطان الأمراء الذين انقطعت أرزاقهم من بغداد ، وسألوه في الرحيل معهم إليها . وكان يرجع إلى عقل ودين ، فاستمهلهم حتى يكاتب الخليفة كرة ثانية ، فامتنعوا وقالوا : نحن نكفيك أمره فوافقهم فتأهبوا وخرجوا وعليهم مسعود البلالي الذي أخرجه الخليفة من بغداد ، وأخذوا معهم لفيفاً من التركمان ، وساقوا مواشيهم وأغنامهم ليقاتلوا عليها . وكانت تكريت قد بقيت بيد مسعود البلالي ، وملكشاه بن سلجق معتقل بها وأرسلان شاه بن طغرل ، فلما احتاج هذا الجمع إلى ملك يضم شملهم اجتمعوا على إخراج أرسلان شاه بن طغرل ، فأخرجوه وركبوه ووصلوا به إلى نواحي العراق ، وأرهبوا على الناس .
وخرج الخليفة بعسكره وجنوده متوشحا بالبردة ، وبيده القضيب ، وعلى مقدمته وزيره عون الدين بن هبيرة . وخيم الخليفة على مرحلتين ، من بغداد وتقابلا قريبا من شهر والخليفة ينتظر البداية . فظن مسعود البلالى أنه إنما ترك البداية بالحرب خورا فبدأه ، وركب الجيشان والتقيا ، وكانت وقعة عظيمة انهزم فيها الملك أرسلان بن طغرل ووصل إلى أرانية ، واستقر عند شمس الدين أيلد كز زوج أمة . وغنم الخليفة وعسكره معسكرهم وأغنام التركمان وذراريهم والترك ، وقتلوا في كل واد . وعاد الخليفة إلى بغداد في أواخر سنة تسع وأربعين وخمسماية .
قال : ولما رجع العسكر إلى السلطان محمد عاتبهم ، وقال : لقد أتيتم بعثرات لا تقال ، وأفسدتم هيبتنا عند الخليفة ، وأخرجتم أرسلان بن طغرل وما حفظتموه ، وقد صار عند أيلدكز ، وصار الخليفة لنا خصما . ولم يستقم للملوك السلجقية بعدها ببغداد سلطنة .

الصفحة 37