كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 68 """"""
فلما ملك الفرنج قسطنطينية ، هرب غياث الدين إلى حميه ، بالقلعة ، فنزل عنده وقاسمه فيما هو فيه وقنعا بها فلمما مات أخوه في سنة ستماية كما ذكرناه ، وملك ولده قلج أرسلان ، فخالف عليه بعض الأمراء الأكابر وكان من الترك ، فأنف أن يملك صغيراً ، فراسل غياث الدين فحضر إليه في جمادى الأولى ، واجتمع معه بعض العسكر وتوجه إلى قونية وبها قلج أرسلان بن أخيه ، فخرج له بعض عسكرها فهزموه وبقي حيران ولايدري ما يصنع ، ولا أين يتوجه . فقصد بلدة صغيرة من بلاد قونية يقال لها أوكرم ، فقدر الله أن أهل مدينة أقصرا وثبوا على واليها ، فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين . فلما وصل الخبر أهل قونية قال أهلها : نحن أولى بذلك منهم ، لأنه كان حسن السيرة فينا ، فنادوا باسمه ، وأخرجوا من عندهم ، واستدعوه ، فملك المدينة وقبض على ابن أخيه ، وملك البلاد أجمع في ساعة واحدة ، فسبحان من إذا أراد أمراً هيأ أسبابه . وحضر إليه أخوه قيصر شاه الذي كان صاحب ملطية ، فلم يجد عنده قبولاً ، فأعطاه شيئاً وأمره بمقارقة البلاد ، فعاد إلى الرها ، واستتب الملك لكيخسروا وأعظم شأنه ، والله أعلم .
ذكر ملكه مدينة أنطاكية
وفي ثالث شعبان سنة ثلاث ستماية ملك الملك غياث الدين كيخسروا مدينة أنطاكية بالأمان ، وكانت للروم . وكان قد حصرها قبل هذا التاريخ وهدم عدة أبرجة من سنورها ، وأشرف على فتحها عنوة ، فاستنجد من بها من الروم بفرنج جزيرة قبرص ، فوصل إليها جماعة منهم فيئس منها وفارقها وترك طائفة من أصحابه بالقرب منها في الجبال التي بينها وبين بلاده ، وأمرهم بقطع الميرة عنها . فضاق أهلها فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم ، فظنوا أنهم يريدون إخراجهم من المدينة . فوقع الخلف بينهم ، فاقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين يطلبونهم ليتسلموا البلد ، فوصلوا إليهم واجتمعوا معهم على قتال الفرنج ، فانهزم الفرنج منهم واعتصموا بالحصن . فأرسل المسلمون يطلبون كيخسرو ، فجاء من قونية وحصر الفرنج وتسلم الحصن . واستمر غياث الدين كيخسرو في الملك إلى أن توفي سنة سبع وستماية وملك بعده ولده