كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 83 """"""
الملك مسعود ، والأمير جيوش بك ، إلى أن أظهر العصيان على السلطان في سنة أربع عشرة وخمسماية ، ثم استأمن الملك مسعود لأخيه السلطان على ما قدمنا ذكر ذلك في أخبار الدولة السلجقية .
ذكر ابتداء حال عماد الدين زنكي وترقيه وتنقله في الولايات
كان ابتداء ولايته في سنة ست عشرة وخمسماية ، وذلك أن السلطان محمود أقطع الأمير اقسنقر البرسقي مدينة واسط وأعمالها ، مضافاً إلى ما بيده من ولاية الموصل وشحنكية العراق وغير ذلك . فسير البرسقي إليها عماد الدين زنكي وأمره بحمايتها ، فسار إليها في شعبان وقام بحمايتها أحسن قيام ، وحضر مع الخليفة المسترشد بالله قتال دبيس بن صدقة أمير الحلة . وكان لعماد الدين في ذلك آثار حسنة ، وأقام إلى أن عزل اقسنقر البرسقي عن شحنكية العراق ورجع إلى الموصل في سنة ثماني عشرة وخمسماية . وكان عماد الدين إذ ذاك بالبصرة قد سيره البرسقي لحمايتها ، فلما توجه البرسقي إلى الموصل أرسل إليه يأمره باللحاق به ، فقال لأصحابه : قد ضجرنا مما نحن فيه بالموصل ، في كل يوم أمير جديد ، ونحتاج نخدمه ، وقد رأيت أن أسير إلى السلطان محمود فأكون معه ؛ فأشاروا عليه بذلك . فسار إلى السلطان محمود فقدم عليه وهو بأصفهان ، فأكرمه . وكان يقف عن يمين تخت السلطان إلى جانبه لا يتقدم عليه غيره ، وهي منزلة والده من قبله . ثم بلغ السلطان محمود أن العرب تجمعت ونهبت البصرة ، فأقطعها لعماد الدين زنكي ، وأعاده إليها ، وهذه الولاية هي أول ولاياته من قبل السلطان ، فضبط عماد الدين زنكي البصرة وأعمالها وقام فيها أحسن قيام ، وكف الأيدي عنها .
فلما وقع الاختلاف بين السلطان محمود والخليفة المسترشد بالله ، وحضر السلطان إلى بغداد وحصرها كما قدمنا ذكر ذلك ، أرسل إلى عماد الدين زنكي وهو بواسط يأمره بالحضور بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب . ففعل عماد الدين زنكي ذلك وجاء في موكب عظيم في البر والبحر ، فركب السلطان للقائه ، ورأى الناس من ذلك ما هالهم ، وعظم عماد الدين في أعينهم . ثم حصل الاتفاق بعد ذلك بين السلطان والخليفة كما ذكرنا .