كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 86 """"""
البرسقي ، فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم ، وبذل لهم البذول الكثيرة على التسليم ، فلم يجيبوه إلى ذلك فجد في قتالهم . وكان بينه وبين البلد دجلة ، فأمر الناس بإلقاء أنفسهم في الماء ، ففعلوا وعبروا سباحة وعبر بعضهم في السفن والأكلاك ، وتكاثروا على أهل الجزيرة . وكانوا قد خرجوا إلى أرض بين الجزيرة ودجلة ، تعرف بالزلاقة ، ليمنعوا عسكر عماد الدين ، فلما رأوه قد عبر دجلة انهزموا ودخلوا البلد ، وأرسلوا في طلب الأمان ، فأمنهم ودخل البلد بعسكره . ثم زادت دجلة في تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد ، وصارت الزلاقة مملوءة بالماء ، فلو أقام بها عماد الدين تلك الليلة هلك هو وعسكره ولم يسلم منهم أحد ، فأيقن الناس بسعادته . ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين ، وكانت لحسام الدين تمرتاش ابن إيلغازي صاحب ماردين ، فلما نازلها سار حسام الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا فاستنجده على أتابك زنكي ، فوعده النجدة بنفسه وجميع عسكره . وعاد تمرتاش إلى ماردين ، وأرسل رقعة على جناح طائر إلى نصيبين ، يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه واصلان إليهم بالعسكر الكثير لدفع زنكي عنهم ، ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام . فبينما أتابك زنكي في خيمته وإذا بطائر سقط على الخيمة وهو ينظر إليه ، فأمر بمسكه فمسك ، فرأى فيه الرقعة فقرأها ، وأمر بكتب غيرها يقول : إنني مضيت إلى ركن الدولة وقد وعدني النصرة بجميع العساكر وما نتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوماً وأمرهم بحفظ البلد هذه المدة ، إلى أن يصلوا وجعلها على الطائر ، وأرسله . فوصل إلى نصيبين فلما قرأ من بها الرقعة ، سقط في أيديهم ، وعلموا عجزهم عن حفظ البلد هذه المدة ، فأرسلوا إلى زنكي وصالحوه وسلموا إليه البلد ، فبطل على داود وتمرتاش ما كانا عزما عليه .
ولما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار ، فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموها إليه ، وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه . ثم سار إلى حران وهي