كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 88 """"""
ذكر ملكه مدينة حماه
وفي سنة ثلاث وعشرين ملك عماد الدين زنكي مدينة حماة . وسبب ذلك أنه أظهر أنه يريد جهاد الفرنج ، وأرسل إليه تاج الملوك بوري بن أتابك طغرتكين صاحب دمشق يستنجده ، ويطلب منه معونته على جهاد الفرنج ، وكانوا قد حصروا دمشق . فأجاب إلى ذلك وجرد تاج الملوك عسكراً من دمشق ، وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماه يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير به إلى زنكي . ففعل وساروا جميعهم فوصلوا إليه ، فأكرمهم وأحسن لقاءهم ، وتركهم أياماً ، ثم قبض على سونج بن تاج الملوك ، وعلى جماعة من الأمراء والمقدمين ، وأنهب خيامهم وما فيها واعتقلهم بحلب . وسار من يومه إلى حماة ، فوصل إليها وهي خالية من الجند فاستولى ، عليها ، وحل عنها إلى حمص . وكان صاحبها خيرخان بن قراجا في عسكر عماد الدين ، وهو الذي أشار عليه بالقبض على تاج الملوك ، فقبض عليه أيضاً . ونزل على حمص ، وطلب منه أن يأمر أصحابه وولده بحمص بتسليمها ، فأرسل إليهم فلم يفعلوا ، فحصرها مدة طويلة ، ثم رحل عنها وعاد إلى الموصل .
ذكر ملكه حصن الأثارب وهزيمة الفرنج
قال : ولما فرغ عماد الدين من أمر البلاد الشامية ، رجع إلى الموصل فأراح واستراح ، وأمر أصحابه بالاستعداد فاستعدوا . ورجع إلى حلب وعزم على قصد حصن الأثارب ، وهو فيها بين حلب وانطاكية على ثلاثة فراسخ من حلب . وكان من به من الفرنج يقاسمون أهل حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان ، بينها وبين البلد عرض الطريق . فلما علم الفرنج بقصده جمعوا فارسهم وراجلهم واستبعدوا وساروا نحوه ، فتقدم إليهم والتقوا واقتتلوا واشتد القتال ، فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة ، وأسر كثير من فرسانهم ، وقتل كثير ، وتقدم إلى الحصن فنازله وفتحه عنوة ، وعم من فيه بالقتل والأسر وأخربه ، وجعله دكا . ثم سار إلى قلعة حارم وهي بالقرب من انطاكية فحصرها ، فبذل الفرنج نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك ، وعاد عنهم وقد اشتد أزر المسلمين وصار قصار الفرنج حفظ ما بأيديهم ، وذلك في سنة أربع وعشرين وخمسماية .