كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 27)
"""""" صفحة رقم 95 """"""
وأما عماد الدين فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنزلها ، وعبر ثقله الفرات إلى الرقة ، وأقام جريدة . وقصد الروم شيزر ، وهي من أمنع الحصون وكانت للأمير أبي المعالي سلطان بن علي بن منقذ الكناني ، فنازلوها وحاصروها ونصبوا عليها ثمانية عشر منجنيقاً فأرسل صاحبها إلى عماد الدين يستنجده ، فسار إليه ونزل على نهر العاصي بينها وبين حماه ، فكان يركب بعسكره إلى شيزر ويقفون حيث يراهم الروم ، ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم . ثم أرسل إلى ملك الروم يقول : إنكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال ، فانزلوا عنها إلى الصحراء حتى نلتقي ، فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وإن ظفرتم بي استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها . ولم تكن له بهم قوة ، وإنما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه ، فأشار فرنج الشام على ملك الروم بقتاله وهونوا عليه أمره ، فلم يفعل ، وقال : أتظنون أن ليس لهم من العسكر إلا ما ترون ، إنما هو يريد أن تلقوه فيأتيه من نجدات المسلمين ما لا يحد وكان عماد الدين يرسل إلى ملك الروم يقول إن فرنج الشام خائفون منه ، ولو فارق مكانه لتخلفوا عنه . ويرسل إلى الفرنج فيقول : إن ملك ملك الروم من الشام حصنا واحداً ملك الروم من شيزر في شهر رمضان وكان مقامه عليها أربعة وعشرين يوماً وترك المجانيق وآلات الحصار كما هي ، فسار عماد الدين يتبع ساقة العسكر ، فظفر بكثير منهم ممن تخلف .
ذكر ملك عماد الدين بعلبك
وفي ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسماية ملك عماد الدين زنكي مدينة بعلبك وهي لصاحب دمشق . وسبب ذلك أن شهاب الدين محمود صاحب دمشق قتله غلمانه في هذه السنة كما ذكرنا ، وملك بعده أخوه جمال الدين محمد . وكانت والدة محمود زوجة عماد الدين بحلب ، فوجدت لذلك وجداً عظيماً وحزنت حزناً شديداً وكتبت إلى أتابك زنكي وهو بالجزيرة تعرفه بالحادثة ونطلب أن يقصد دمشق ويطلب ثأر ولدها . فبادر إلى ذلك ولم يتوقف وعبر الفرات عازماً على قصد دمشق . فبلغ ذلك صاحبها فاحتاط واستعد ، وسار عماد الدين إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين