كتاب التبصرة للخمي (اسم الجزء: 4)

الوعد فقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ}، وعليه عاقب فقال: {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وجاءت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك؛ أمر بالوفاء، وذم على الترك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ الله فَلْيُطِعْهُ" (¬1). وقال: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ يَنْذُرُونَ وَلاَ يُوفُونَ. . ." الحديث (¬2). فقد ذم على الترك، وقال: "لاَ تَنْذِرُوا فَإِنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ وَالْبَخِيلِ" (¬3). فندبنا إلى فعل ما أحب الإنسان أن ينذره بطواعية (¬4) فيه من نفسه بغير نذر؛ لأن الغالب من الناذر أنه لا يفعله بطيب نفس، وإنما يفعله لمكان ما أوجبه، وكثيرًا ما يدركه الندم.
ثم أخبر بوجوبه بقوله: "إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الشَّحِيحِ" فلو كان غير واجب لم يستخرج به.
وقالت امرأة: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا. قَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمُّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَه، اقْضُوا الله، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ" أخرجه البخاري (¬5). فشبهه بالدين، وذلك دليل على وجوبه.
¬__________
(¬1) سبق تخريجه في كتاب الصيام في باب فيمن نذر الصيام، ص: 803.
(¬2) متفق عليه، أخرجه البخاري: 6/ 2463، كتاب الأيمان والنذور، باب إثم من لا يفي بالنذر، برقم (6317)، ومسلم: 4/ 1964، كتاب فضائل الصحابة - رضي الله عنهم -، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، برقم (2535).
(¬3) أخرجه البخاري: 6/ 2463، كتاب الأيمان والنذور، باب الوفاء بالنذر، برقم (6315)، ومسلم: 3/ 1260، في كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئًا، برقم (1639).
(¬4) في (ت): (تطوعًا).
(¬5) أخرجه البخاري: 2/ 656، كتاب أبواب الإحصار وجزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة، برقم (1754).

الصفحة 1632