كتاب فضائل أبي حنيفة وأخباره لابن أبي العوام

556 - حدثنا أبي قال: ثنا أبي قال: ثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن أعين قال: سمعت علي بن حرب الطائي يقول: سمعت أبي يقول: شهدت مجلس ابن السماك بالكوفة فما شهدت مجلساً أكثر باكياً ولا باكية منه، وتكلم يوم جنازة داود الطائي بكلام انتسخه من وعاه عنه يقول فيه: إن الزاهدين في الدنيا #260# تعجلوا الراحة على أبدانهم والصلاح لقلوبهم مع خفة الحساب غداً في القيامة عليهم، وإن داود الطائي -رحمه الله- أبصر بقلبه إلى ما بين يديه من أمر آخرته، فأغشى نظر قلبه نظر خبره، فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لم تبصروا ما إليه نظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم مغرورين راغبين قد ذهبت على الدنيا عقولكم، وعشيت لها أبصاركم أوحش الزاهد فيها منكم، فكنت إذا نظرت إلى داود الطائي علمت أنه من أهل الدنيا وحشا، وذلك أنه حي وسط الموتى، يا داود، ما كان أعجب شانك، ويزيد في عجبي أنك من أهل زمانك أدبت نفسك حتى ألزمتها العدل، وأهنتها وإنما تريد كرامتها، وذللتها وإنما تريد عزها، ووضعتها وإنما تريد شرفها، وأنصبتها وإنما تريد راحتها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وأخفتها وإنما تريد أمنها، وأحزنتها وإنما تريد فرحها، وأخشنت المطعم وإنما تريد لينه، ثم أمت نفسك قبل أن تموت، وإنما تريد بقاءها، وعذبتها قبل أن تعذب، وغيبتها عن الناس كيلا تذكر، ورفعتها عن الدنيا لم تر الدنيا لها قدراً ولا خطراً، رغبت عن الدنيا وأزواجها ولين لباسها، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طلبت، وما أظنك إلا قد فزت بما فيه رغبت، كان سيماك في عملك وفعلك، ولم يكن سيماك في وجهك ظاهراً، فقهت في دينك ثم تركت الناس يتفقهون ويفتون، وسمعت الأحاديث وتركت الناس يتحدثون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية ولا من الإخوان هدية، لا تذلك المطامع ولا ترغب إلى الناس في الصنائع، كنت آنس ما تكون إذا كنت خالياً، #261# وأوحش ما تكون إذا كنت بين الناس [فآنس ما تكون أوحش ما يكونون وأوحش ما [تكون] آنس ما يكونون] جاوزت حد المسافرين في أسفارهم، وجاوزت نفسك حد المسجونين إذا حبسوا، يتحرك المسافر لسفره فيحمل من كثير الطعام وأنت في سفرك وحضرك لا تؤثر على نفسك، لا تزيد على خبزة أو خبزتين تخبز لك في شهرك، ثم ترمي به في دنٍ عندك، فإذا أفطرت أخذت منه فجعلت في مطهرتك، ثم اصطبغت بملحك فهو أدمك، وهو حلواك، فمن سمع بمثلك صبر صبرك أو عزم عزمك.
داود! ما أظنك إلا وقد فضلت الآخرين، وما أحسبك إلا وقد أتعبت من يجيء من بعدك من العابدين، داود! أنت من الآخرين وقد لحقت بالأولين، أنت من أهل زمان الراغبين، ولقد أخذت بزهادة الزاهدين، أما المسجونون فيكون معهم العدد الكثير يأنسون بهم، وأنت سجنت نفسك في بيتك، وحدك فلا محدث لك ولا جليس معك، فما أدري أي الأمور كان أشد عليك، الخلوة في بيتك تمر بك الشهور، وتأتي عليك السنون، أم تركك المطاعم والمشارب فلا ترتاح إلى شيء منها، ولا تتوق نفسك إليها من عظيم خوفك وشدة حزنك، لا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة تبرد فيها ماءك، ولا قصعة يكون فيها غذاؤك وعشاؤك، مطهرتك قلتك وقصعتك، تورك كل أمرك، داود! عجب، أما كنت تشتهي من الماء بارده، ومن المطعم طيبه، ومن الملبس لينه، داود! زهدت فيه لما بين يديك لما رغبت إليه، فما أعلمك خبت في جنب ما فيه #262# رغبت، أو منه هربت، ما أصغر ما بذلت وأحقر ما تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت وطلبت، أما أنت فقد ظفرت براحة العاجل وسعدت إن شاء الله في الآجل، داود! قطعت عنك الشهرة في حياتك لكيلا تصيبك فتنها، ولا يدخلك عجبها، فلما مت شهرك بموتك، وألبسك رداء علمك، فقل لعشيرتك تكلم بألسنتها، فقد أوضح الله فضلها إذ كنت منها، لم تنس ما عملت في سرك وعلانيتك فأظهره الله بعد موتك، فلو رأيت من تبعك عرفت أن قد أكرمك وشرفك، هنيئاً موتاً لأولياء الله عز وجل وأهل طاعته وأصفيائه.

الصفحة 259