كتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (اسم الجزء: 2)
بها، ولأن أكثر هؤلاء الصبيان الذين تصيبهم السنة ويكفلهم الناس دافة (¬1) البوادي وجالية (¬2) الأعراب ومجهولون لا يعرف آباؤهم ولا تتعين أنسابهم ولا يَعرفون هم ذلك لصغر أسنانهم، ويأتي الموت في الشدائد والجلاء غالباً على أهاليهم وتفرق الضرورة بينهم، ثم يشِبون (¬3) وقد جهل آباؤهم ومن بقي من عصبتهم حيث وقعوا، ولا يَعرف الأبناء الآباء، فهم إما موتى أو مجهولون في حكم الموتى، فحكمهم حكم المحضونين سواء.
ولا يكون إنكاحهن إلا برضاهن خلاف ما وقع في كتب بعض المدنيين (¬4) - وتأوله على "المدونة" - أنه بغير رضاهن، وهو وهم منه أو من النقلة عنه.
مسألة الأمة (¬5) يعتقها رجلان وقوله: كلاهما وليان، وأن لأحدهما أن/ [ز 89] يزوجها بغير رضى الآخر. اعترضها بعضهم وقال: إنما له نصف الولاء، ومسألة الأخوين أقوى منها.
قال القاضي: ولم يقل هذا شيئاً، لأن الولاء لحمة كالنسب لا يتنصَّف كالملك، وذِكْره مسألة الأخوين يضعف قوله؛ لأن الأخوين إذا كانا في قُعدد لم يُختلف أن إنكاح أحدهما/ [خ 162] جائز على
¬__________
(¬1) في اللسان: دفف: الدافة القوم يجدبون فيمطرون، وقال ابن دريد: الجماعة من الناس تقبل من بلد الى بلد.
(¬2) في اللسان: جلا: الجالية الذين جلوا عن أوطانهم.
(¬3) في ق: يسبون، ولعلها في ع: يشيبون وهو ما في م، وفي الرهوني 3/ 206: ينشؤون. وهذه محتملة.
(¬4) كذا في ز وق وع وس، وفي خ وحاشية الرهوني 3/ 206: الموثقين، وهو الراجح، لأن ابن العطار - وهو المبهم هنا - موثق معروف، ولأن سياق النص بعد هذا لا يستقيم إذا قلنا: إن بعض المدنيين تأول المدونة على هذا، فالمدنيون هم طبقة مالك أو تلاميذه وهم أسبق من المدونة، فلعل الأمر تصحيف. وقد عزاه إلى ابن العطار ابن رشد في البيان: 4/ 362 والرهوني: 3/ 205، ولم أجده في المطبوع من وثائق ابن العطار.
(¬5) المدونة: 2/ 169/ 11.