كتاب الاختلاط بين الرجال والنساء (اسم الجزء: 2)

الشبهة الثالثة والعشرون:
فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ:
قالوا: يجوز أن تأكل المرأة مع زوجها والضيف، واستدلوا بما رواه البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: «مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - «مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «أَنَا»، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: «أَكْرِمِى ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -».
فَقَالَتْ: «مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِى».
فَقَالَ: «هَيِّئِى طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِى سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِى صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً». فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، فَقَالَ «ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ ـ أَوْ عَجِبَ ـ مِنْ فَعَالِكُمَا»؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} (الحشر: 9) (¬1).
الجواب:
كان هذا قبل نزول آيات الحجاب، قال الشيخ ابن عثيمين:
¬_________
(¬1) (فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ) أَيْ يَطْلُب مِنْهُنَّ مَا يُضَيِّفهُ بِهِ. قَوْله: (فَقُلْنَ مَا مَعَنَا) أَيْ مَا عِنْدنَا (إِلَّا الْمَاء).
قَوْله: (مَنْ يَضُمّ أَوْ يُضَيِّف) أَيْ مَنْ يُؤْوِي هَذَا فَيُضَيِّفهُ.
قَوْله: (إِلَّا قُوت صِبْيَانِيّ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون هُوَ وَامْرَأَته تَعَشَّيَا وَكَانَ صِبْيَانهمْ حِينَئِذٍ فِي شُغْلهمْ أَوْ نِيَامًا فَأَخَّرُوا لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ، أَوْ نَسَبُوا الْعَشَاء إِلَى الصِّبْيَة لِأَنَّهُمْ إِلَيْهِ أَشَدّ طَلَبًا.
(وَأَصْبِحِي سِرَاجك) بِهَمْزَةِ قَطْع أَيْ أَوْقِدِيهِ. (طَاوِيَيْنِ) أَيْ بِغَيْرِ عَشَاء.
قِيلَ: فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى نُفُوذ فِعْل الْأَب فِي الِابْن الصَّغِير وَإِنْ كَانَ مَطْوِيًّا عَلَى ضَرَر خَفِيف إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَة دِينِيَّة أَوْ دُنْيَوِيَّة، وَهُوَ مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا عُرِفَ بِالْعَادَةِ مِنْ الصَّغِير الصَّبْر عَلَى مِثْل ذَلِكَ، وَالْعِلْم عِنْد اللهِ تَعَالَى. (باختصار من فتح الباري).

الصفحة 419