كتاب الوفا بما يجب لحضرة المصطفى

حاجة تدعو لذلك، وكيف يترك الصحابة رضي الله عنهم طلعته البهية ويرضون باستدباره صلى الله عليه وسلم مع قيامه لمخاطبتهم ووعظهم وهم أعظم الناس أدباً لا يظنه عاقل.
وكم من بدعة وجدنا الناس يفعلونها ولا يعلم ابتداء حدوثها وليس لنا أن نستدل بذلك على تغيير حكمها في الشرع.
والتشبث باستمرار أفعال الناس إنما تكون في مسألة لا يعرف حكمها من جهة الشرع أما مسألة عرف حكمها في الشرع كهذه المسألة فالواجب علينا اتباع الشرع المنقول فيها واعتقاد حدوث ما عليه الناس وتقديره بأقرب الأزمنه إذ جهلنا بابتداءه وقد ذم الله أقواماً تمسكوا في مجاحدة الحق بفعل سلفهم فقال تعالى حكاية عنهم (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) فينبغي تطهير هذا المحل الشريف المنسوب للمصطفى صلى الله عليه وسلم من هذه البدعة القبيحة ليزول من قلوب العوام والجهال ما قدمناه ولإحياء سنته صلى الله عليه وسلم وذلك يحصل ببناء الدرج عن يمين القايم في محراب هذا المسجد المتقدم وصفه كما هو السنة وتكون مرتفعة بحيث يرى القايم عليها من خارج المسجد كالدرج التي بالحائط الشامي ويكون الموضع المتقدم وصفه بالحائط الشامي للمبلغ يقوم عليه إمام الخطيب على أن السقف الذي قدمنا وصفه أمام هذا الموضع المحدث على يد الأمير برد بك صار يحول بين من يصلي خارج المسجد وبين مشاهدتهم الخطيب كما تقدم.
وقد هم بعض الخطباء بهدمه لذلك وهو متعين والذي ظهر لي بعد التأمل أن ذلك الموضع لم يجعل منبراً بل مجلساً للمبلغ لأنه ليس على هيئة المنبر وكأنهم أرادوا أن يجعلوا الأمر في ذلك على وفق السنة في زمنه صلى الله عليه وسلم من قيام الخطيب على الأرض ثم إن من حضر بعد ذلك من الخطباء رأى الاحتياج إلى القيام على مرتفع لما قدمناه من حيلولة البناء بينه وبين من يكون خارج المسجد فلما لم يجد موضعاً مرتفعاً سوى ذلك قام عليه ثم لم يتيسر بناء منبر على وفق السنة هناك فاستمر ذلك.
ومما يرجح الصلاة بهذا المسجد أعني مسجد المصلى ويرغب فيها ما روي عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص عن أبيها رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين مسجدي إلى المصلى روضة

الصفحة 178