كتاب تاريخ المدينة لابن شبة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ بِالشَّامِ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: ايذَنْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ، قَالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِيذَنْ لِي فَوَاللَّهِ لَا أَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَ: تَكَلَّمْ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «§كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا أُخْرِجْتَ؟» فَبَكَيْتُ فَقُلْتُ: فَأَيْنَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هَاهُنَا» ، وَأَشَارَ نَحْوَ الشَّامِ، وَإِنْ أُمِّرْ عَلَيْكَ عَبْدٌ أَسْوَدُ مُجَدَّعٌ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ "حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، وَثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِمَا أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا ذَرٍّ انْصَرَفَ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا لَكَ وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: «§سَامِعٌ مُطِيعٌ وَلَوْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ صَنْعَاءَ لَأَتَيْتُهَا»
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّبْذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ نُفَيْعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: §جَاءَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -[1040]- يَسْتَأْذِنُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَنَا عِنْدَهُ - فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا أَبُو ذَرٍّ يَسْتَأْذِنُ، قَالَ: «إِيذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ فَإِنَّهُ يُؤْذِينَا وَيُشْقِينَا» ، قَالَ: فَأَذِنْتُ لَهُ، فَأَقْبَلَ حَتَّى قَعَدَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ سُرُرٍ يُقَالُ لَهَا: النَّجْدِيَّةُ ذِي قَوَائِمَ أَرْبَعٍ يَرْجُفُ بِهِ السَّرِيرُ مِنْ طُولِهِ وَعِظَمِهِ - وَكَانَ طَوِيلًا عَظِيمًا - فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟» قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا قُلْتُ هَذَا» ، قَالَ عُثْمَانُ: «إِنِّي أُقِيمُ عَلَيْكَ الْبَيِّنَةَ» ، قَالَ: «مَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ قَدْ عَرَفْتُ مَا قُلْتُ؟» قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ: قال: قلت " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَأْخُذُ بِالْعَهْدِ الَّذِي تَرَكْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْحَقَنِي» ، وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرِي، فَأَنَا عَلَى الْعَهْدِ وَعَلَى اللَّهِ الْبَلَاغُ "، قَالَ لَهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْحَقْ بِمُعَاوِيَةَ» ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ رَجُلٌ حَدِيثُ الْعَهْدِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِقُلُوبِ النَّاسِ فَأَبْكَى عُيُونَهُمْ، وَأَوْغَرَ صُدُورَهُمْ، وَكَانَ فِيمَا يَقُولُ: «لَا يَبْقَيَنَّ فِي بَيْتِ أَحَدٍ مِنْكُمْ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ وَلَا تِبْرٌ وَلَا فِضَّةٌ إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ يَعَدُّهُ لِغَرِيمٍ» ، فَأَنْكَرَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جُنْحَ اللَّيْلِ بِأَلْفِ دِينَارٍ أَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ وَسَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَسَّمَ الْأَلْفَ فَلَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهُ مِنْهَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعَا الرَّسُولَ فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقُلْ لَهُ: أَنْقِذْ لِي جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ أَنْقَذَ اللَّهُ جَسَدَكَ -[1041]- مِنَ النَّارِ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ بِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: " اقْرَأْ عَلَى مُعَاوِيَةَ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ أَبُو ذَرٍّ: مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ دِينَارٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ آخَذْتَنَا بِهَا فَأَنْظِرْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ نَجْمَعُهَا لَكَ، فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ فِعْلَهُ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ، وَسَرِيرَتَهُ تُصَدِّقُ عَلَانِيَتَهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةً فَأَرْسِلْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّهُ قَدْ أَوْغَرَ صُدُورَ النَّاسِ عَلَيْكَ» ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنِ الْحَقْ بِي»