كتاب تاريخ المدينة لابن شبة
فَدَخَلْنَا دَارَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ - وَهِيَ رَحَاسٌ مِنَ النَّاسِ - فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا طَلْحَةُ، مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ؟ قَالَ: يَا أَبَا حَسَنٍ بَعْدَ مَا مَسَّ الْحِزَامُ الطَّبْيَيْنِ فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ وَلَمْ يُحِرْ إِلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: افْتَحُوا هَذَا الْبَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى الْمَفَاتِيحِ، فَقَالَ: اكْسِرُوهُ، فَكُسِرَ، فَقَالَ: أَخْرِجُوا الْمَالَ، فَجَعَلَ يُعْطِي النَّاسَ فَجَعَلُوا يَتَسَلَّلُونَ إِلَيْهِ حَتَّى تُرِكَ طَلْحَةُ وَحْدَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسُّرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ طَلْحَةُ عَائِدًا إِلَى دَارِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَعْلَمَنَّ مَا يَقُولُ هَذَا، فَتَبِعْتُهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، أَرَدْتُ أَمْرًا فَحَالَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: «إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا جِئْتَ تَائِبًا، وَلَكِنْ جِئْتَ مَغْلُوبًا، اللَّهُ حَسِيبُكَ يَا طَلْحَةُ»حَدَّثَنَا الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ أَبِي شِهَابٍ قَالَ: أَرْسَلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ: «إِنْ كُنْتُ §مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ. وَلَا تُخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ابْنِ فُلَانَةَ» - يُرِيدُ طَلْحَةَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُثْمَانُ -[1200]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حُصِرَ فَوَجَدْتُهُ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ: أَتَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ وَأَنْتَ أَقْرَأُ النَّاسِ ظَاهِرًا؟ قَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أُوَعِّكَ لَهُ، ثُمَّ أَنَا وَمَا دَعَوْتُكَ لَهُ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَحَدِّثْنِي فَرُبَّ حَدِيثٍ حَسَنٍ قَدْ حَدَّثَتْنِيهِ. قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا مَاتَتِ ابْنَتُهُ الْأُخْرَى , فَنَظَرَ إِلَى فِرَاشِي مِنْ أَدَمٍ فَدَمَعَتْ عَيْنُهُ، فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا اضْطَجَعَتْ عَلَيْهِ أُنْثَى بَعْدَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُ مِنْكَ مَا رَأَيْتُ، لِهَذَا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ §الْمِيرَاثَ لِلْوَارِثِ، وَالْمَيِّتَ لِلتُّرَابِ، وَلَوْ أَنَّ عِنْدِي عَشْرًا زَوَّجْتُكَهُنَّ، وَإِنِّي عَنْكَ لَرَاضٍ» . قُلْتُ: صَدَقْتَ، لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهُ عَنْكَ لَرَاضٍ، فَمَا الَّذِي دَعَوْتَنِي لَهُ؟ قَالَ: «تَكْفِينِي نَفْسَكَ وَابْنَ عَمِّكَ، فَلَا أَتَّهِمُكُمَا وَلَا يَتَّهِمُكُمَا مَنْ بَعْدِي» . قُلْتُ: أَمَّا أَنَا فَسَأَكْفِيكَ نَفْسِي، وَأَمَّا ابْنُ عَمِّي فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ أُبَلِّغُهُ. قَالَ: «تَأْمُرُهُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَا لَهُ بِيَنْبُعَ» . قُلْتُ: نَعَمْ، فَلَقِيتُ عَلِيًّا فَأَبْلَغْتُهُ، فَخَرَجَ إِلَى يَنْبُعَ: وَاغْتَنَمَ طَلْحَةُ غَيْبَتَهُ وَرَحَلَ. . . . . . . يَقُولَانِ: وَاللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ , فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى النَّاسَ بَلَغَ أَمْرُهُمْ فِي هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَجَاوَزَ الْحِزَامُ الْكَتِفَيْنِ، وَارْتَفَعَ أَمْرُ النَّاسِ فِي أَمْرِي فَوْقَ قَدْرِهِ، وَطَمِعَ فِيَّ مَنْ لَمْ يَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ:
[البحر الطويل]
وَإِنَّكَ لَمْ يَفْخَرْ عَلَيْكَ كَفَاخِرٍ ... ضَعِيفٍ وَلَمْ يَغْلِبْكَ مِثْلُ مُغَلَّبِ
-[1201]-
فَأَقْدِمْ عَلَيَّ أَوْ لِيَ:
[البحر الطويل]
فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولًا فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ ... وَإِلَّا فَأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ "
قَالَ: وَالشِّعْرُ لِلْمُمَزِّقِ الْفَيْدِيِّ