كتاب مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (اسم الجزء: 1)

108…كما حرص الرسول صلى الله عليه وسلم، أيضاً، على أن تكون وظائف الشئون الداخلية، كالإمارة على المدن، والأقاليم والصدقات والغنائم وغيرها، حقاً مشاعاً بين جميع القبائل والطبقات (1). وكان المجتمع المدني يقدر ذلك الحرص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يفسح المجال في العمل لكل قادر أياً كانت طبقته أو جنسه، ذكر ان الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعمل له منبراً من الخشب فقال العباس بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له كلاب، أعمل الناس. فقالك مره أن يعمل (2).
الترابط والتعاون في المجتمع المدني ومظاهر ذلك
اتسمت الحياة الاجتماعية بين أفراد المجتمع المدني، بترابط وتعاون وثيق، سداه ولحمته الإسلام، الذي استطاع - في مدة وجيزة - أن يجمع بين المهاجرين والأنصار، مع تعدد ميولهم وتقاليدهم في إطار واحد. وكان من مظاهر ذلك الترابط والتعاون، الاحترام المتبادل. فكان على السملم أن يتزحزح لأخيه المسلم إذا دخل عليه، حتى وو كان في المكان سعة (3). كما أنه لم يكن للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال (4). وكانت صلة الرحم من أبرز الخلال الحميدة في ذلك المجتمع. واعتبر بر الوالدين ورعايتهما، إذا ما كانوا في حاجة إلى تلك الرعاية، أعظم من الجهاد في سبيل الله (5). وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، قد رد بعض الصحابة من أجل أمهاتهم وأسقط عنهم الجهاد (6). ولقد كانت عوامل المحبة والتصافح في ذلك المجتمع وبعده عن الغل والشحناء، كثيرة (7). ولعل العامل الرئيسي في انتشار المحبة وقلة ما كان يعانيه من مشاكل سلوكية اجتماعية، أنه لم يكن ينظر إلى الأخطاء في المعاملات بمنظار الحقد والكراهية، فتضخم على حساب قطع دابرها. ولدينا بعض المواقف السلوكية التي تلقى بعض الضوء على ما ذكرنا. منها ما ذكر أن أعرابياً دخل المسجد فكشف عن عورته ليبول فصاح الناس به، حتى علا الصوت، فقال الرسول (ص): اتركوه فتركوه، فبال. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بذنوب من ماء، أي دلو، فصب على ذلك المكان (8). وفي هذا الصدد ما ذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم، يوم بدر،…
__________
(1) ابن حبيب: المصدر السابق، 125 - 128، ابن حجر: المصدر السابق، جـ1، ص328، جـ3، ص412. (2) السمهودي: الوفاء، ص393. (3) ابن حجر: الإصابة، جـ3، ص626 - 27. (4) مالك: الموطأ، جـ2، ص907. (5) ابن حجر: المصدر السابق، جـ2، ص239، جـ4، ص9. (6) ابن حجر: نفس المكان. (7) مالك: المصدر السابق، جـ2، ص907 - 908. (8) مالك: نفس المصدر، جـ1، ص64 - 65.

الصفحة 108