كتاب مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (اسم الجزء: 1)

130…
2 - التنظيم الجماعي
اهتم الإسلام كثيراً بأمر الجماعة واتحاد الكلمة (1). وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "إن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة، قال: فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يده، وقال: الجماعة (2).
وسائل ووظائف التنظيم الجماعي:
أولاً: إقامة المسجد الجامع وسط المدينة
كان للمسجد في المدينة، إلى جانب وظائفه الدينية، وظائف اجتماعية. فهو لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة والليلة الشاتية (3). وقد شرع الرسول صلى الله عليه وسلم، حال قدومه المدينة، في بناء المسجد الجامع (4)، وحرص على أن يكون موقعه في وسط حرم المدينة (5)، المحدود بمقدار بريد في بريد ما بين جبل عير إلى جبل ثور، من الجنوب إلى الشمال، وما بين لابتيها، أي حرتيها الشرقية والغربية (6). وقد يسر موقع المسجد المتوسط هذا على جميع المسلمين مهمة الاتصال بالرسول صلى الله عليه وسلم، واللقاء به في كل الأوقات فقد ذكر عن أنس أنه قالك كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة (7). وقيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يأتي قباء راكباً وماشياً (8). كما أن بني سلمة، وكانوا في الطرف الشمالي الغربي للمدينة، يحرصون على أداء الصلاة جماعة في المسجد النبوي (9). ومن ذلك نستدل على سهولة الاتصال بأطراف المدينة من مركزها وهو المسجد النبوي. وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا يكون لأحد من القبائل فضل التفرد ببناء المسجد، أو تملك أرضه. ولذلك طلب من بني النجار أن يثامنوه بحائطهم، لبناء المسجد عليه، ولم يقبل عرضهم، في أن يعطوه الحائط بدون ثمن. فابتاعه بعشرة دنانير (10). وقيل عوضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عنه بنخل في بني بياضة (11). وكان الصحابة لما كثروا قالوا لرسول:…
__________
(1) قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا". آل عمران: 103. (2) الطبري: جامع البيان، جـ4، ص32 - 33. (3) الطبري: نفس المصدر، جـ11، ص22 - 23. (4) ابن إسحاق: السيرة، جـ2، ص343 - 345. ابن فضل الله: مسالك البصار، جـ1، ص123، الكلاعي: الاكتفاء، جـ1، ص461. (5) الديار بكري: تاريخ الخميس، جـ1، ص341. (6) كبريت: الجوهر الثمينة، ورقة 8. (7) مالك: الموطأ، جـ1، ص9. (8) مالك: نفس المصدر، جـ1، 167. (9) السمهودي: الوفاء، جـ1، ص203. (10) البلاذري: فتوح البلدان، جـ1، ص5، العصامي: سمط النجوم العوالي، جـ1، ص312. (11) الذهبي: تاريخ، جـ1، ص202.

الصفحة 130