كتاب مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (اسم الجزء: 1)
59…كانوا خير من يمد يد العون للأوس والخزرج للقضاء على نفوذ اليهود في المدينة مثلما كانت الحبشة تقوم بدور المتصدي لقوتهم في اليمن (1). ولعل ما يبرر خوف النصارى بالشام من تزايد نفوذ اليهود ما كان من سابقة لأحبارهم في التأثير على أحد ملوك اليمن حين مر بيثرب وهم بغزوها، فنصحوه بالعدول عن ذلك فانصرف عنها واتبعهم على دينهم (2). والعلاقة بين المسيحيين بالشام وبين الأوس والخزرج قد تفسر السر في عدم تهودهم رغم مجاورتهم الطويلة لليهود وتأثرهم بهم في كثير من العادات (3)، وبعض المعتقدات (4). ونحن بذلك لا نعتقد أن عدم تهود الأوس والخزرج يرجع إلى عدم توافر النية عند اليهود على نشر ديانتهم بطريقة مبشارة أو لأن نشرها من بعض الوجوه محظور على اليهود (5). وقد سبق أن رأينا، أن لأحبار اليهود مساهمة كبيرة في دخول أهل اليمن في اليهودية بالإضافة لوجود كثير من العرب المتهودة، وهو ما ينقض ذلك الراي. وقد كان لهذا التدخل المسيحي دوره الكبير في توطيد مركز الأوس والخزرج. فعزوا بيثرب وتفرقوا في عاليتها وسافلها المعمور منها والعافي فنزلوه (6). وكان هدف المسيحية الأول من ذلك أن توجد لها حلفاء أقوياء في مناطق اليهود من الحجاز لكسر شوكته ولضمان عدم اتصالهم بيهود اليمن. ولربما أصبحت يثرب بقيادتها الجديدة من الأوس والخزرج نقطة انطلاق للقضاء على النفوذ اليهودي في اليمن والجزيرة العربية كلها، خاصة بعد فشل جهود المبشرين النصارى في نجران واليمن لإدخال اليمن في النصرانية (7). وكان بمقدور المسيحية بالشام لاتسعانة بقبائل مسيحية للقضاء على اليهود بيثرب، خصوصاً وأن من بواعث ذلك الصراع ضد اليهودية يرجع إلى ما كان بينها وبين المسيحية من نضال ديني (8). غير أنهم وجدوا في رغبة الأوس والخزرج أن يصبحوا سادة يثرب ويحصلوا على أموال اليهود ومستعمراتهم ما جعل مهمته أكثر سهولة وضماناً لنجاح مخططهم (9). ويظهر أن سقوط اليمن بأيدي الفرس (10)، قد جعل دور الأوس…
__________
(1) ابن إسحاق: المصدر السابق، جـ1، ص24 وما بعدها. (2) ابن إسحاق: السيرة، جـ1، ص12. (3) المطري: التعريف، ص49. (4) ابن إسحاق: المصدر السابق، جـ2، ص292، العدوى: أحوال مكة والمدينة، جـ2، ورقة 114، أرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ص42، حسن (د. حسن إبراهيم): تاريخ الإسلام، جـ1، ص93. (5) ولفنسون: تاريخ اليهود، ص72. (6) العدوى: المصدر السابق، جـ2، ص113. (7) ابن إسحاق: السيرة، جـ1، ص19 - 23. (8) ولفنسون: تاريخ اليهود، ص59. (9) ولفنسون: نفس المكان. (10) ابن إسحاق: المصدر السابق، جـ1، ص41 - 45، ابن خلدون: تاريخ، جـ1، ص95 - 99.