كتاب مجتمع المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم (اسم الجزء: 1)
60…والخزرج غير ذي أهمية كبيرة، كخلفاء في وسط الجزيرة العربية للروم ضد اليهودية ومناصريها من الفرس الذين كان لهم بعض النفوذ على بني قريظة والنضير في المدينة. حيث كانوا يدفعون الخراج لعاملهم من قبل مرزبان الزارة، خلال النصف الثاني من القرن السادس الميلادي (1). ثم إن الأوس والخزرج لم يظهروا كفاءة ومقدرة لبناء دولة قوية، مع أن كل الظروف كانت مهيأة لذلك. فقد سيطرت الروح القبلية على سلوكهم فاتجهوا إلى اختلاق مصادمات كانوا في غنى عنها وشغلتهم عن مهمتهم الرئيسية. وكان لليهود أنفسهم ضلع في إثارة تلك الحروب بين الأوس والخزرج حين شعروا بخطر مهمتهم (2). على أن ذلك لا يعني إغفال عوامل الثأر القبلي وما ينطوي عليه من حزازات، إلى جانب وجود المنافسة القائمة على الاستحواذ على الأراضي الزراعية الجيدة والرغبة في الاستئثار بها (3). ومن تلك الحروب حرب سمير، وهي أول حرب بينهم، وكانت أسبابها نزاع قبلي حول دية الحليف (4). وقد وجد اليهود في استمرار ذلك النزاع بين الأوس والخزرج فرصة تضمن بقاءهم في خير البقاع من يثرب فحالفوا الأوس في حربهم ضد الخزرج (5). بعد أن علموا برغبة الخزرج في الاستيلاء على منازل قريظة والنضير، وكانت خير البقاع (6). وكان يوم بعاث آخر الحروب بينهم (7) وقد علمتهم درساً عرفوا منه حقيقة نوايا اليهود. ولذا نجد أن الخزرج لما انهزموا يوم بعاث ووضعت فيهم الأوس السلاح صاح صائح منهم منادياً في الأوس بأن يحسنوا ولا يهلكوا إخوانهم. فجوارهم خير من جوار الثعالب، يعني اليهود (8)، كما أن تلك الحروب أظهرت حقيقة الخواء الروحي والحاجة إلى الإيمان والاستقرار فكانوا أسرع من غيرهم إلى الإسلام (9).…
__________
(1) ابن خرداذبه: المسالك والممالك، ص128 (ليدن، 1889م)، كستر: الحيرة وعلاقتها بالجزيرة العربية، الترجمة العربية د. خالد العسلي، بحث نشر في مجلة العرب، جـ11، س7 جمادي الأولى عام 1393هـ، ص857 - 874. (وانظر أيضاً حمد الجاسر: نفس المصدر، ص875). الزرارة: موضع بقرب الطيف وقد جرست في القرن الرابع الهجري. ولا زال موقعها معروفاً يدعى الرمادة بقرب قري العوامية. (انظر: الجاسر، حمد: مجلة العرب، نفس المكان). (2) هيكل (محمد حسين)، حياة محمد، ص235. (3) ولفنسون: تاريخ اليهود، ص59، Watt; Mhammad at Medina. P. 155. (4) ابن الأثير: الكامل، جـ1، ص403. (5) ابن الأثير: نفس المصدر، جـ1، ص418. (6) ابن الأثير: نفس المصدر، جـ1، ص117. (7) ابن الأثير: نفس المصدر، جـ1، ص18. (8) ابن الأثير: نفس المصدر، جـ1، ص417 - 418. (9) ابن الأثير: نفس المكان، الذهبي: تاريخ، جـ1، ص171.